Back أنت هنا: الرئيسية عن الوزارة تحقيقات - حوارات انتحال شخصية (الأطباء) الظاهرة الجديدة

انتحال شخصية (الأطباء) الظاهرة الجديدة

تحقيق: منال حسينaaaaltabebalmuzayf

بين القانون ومرجعيات المهنة

طبيب عطبرة  المزيف... مريض يُعالج المرضى...!!
الأطباء: عمل مرفوض وخطأ كبير والمسئولية تقع على إدارة المستشفى
المجلس الطبي يتحمل جزءاً من الخطأ ولابد من توفير قاعدة بيانات يمكن الرجوع إليها
الدكتور علي مالك: ظهور مثل تلك الحوادث نتيجة لكثرة خريجي الطب
اختصاصي نفسي: الجناة في مثل هذه القضايا يعانون من صراع داخلي
قانوني: عقوبة الانتحال غير رادعة ومن المفترض تعديل القانون

خبر ضبط الأجهزة الشرطية المختصة بولاية نهر النيل لشاب انتحل شخصية طبيب، وتمكَّن من ممارسة الطب فعلياً بمستشفى عطبرة التعليمي لـ(6) سنوات دون كشف حقيقة أمره، آثار انتباه عامة الناس وأربك الجهات المختصة رغم إنه من الجرائم التي نسمع بها دائماً تقع بصفة انتحال الشخصية خاصة من أشخاص ينسبون أنفسهم للقوات النظامية وأحياناً حتى بصفة طبيب، أو صحفي وغيرها من المهن، فهل هذا سلوك إجرامي أم أنه مرض نفسي يدفع بصاحبه إلى عملية الانتحار؟ ومن المسئول عن ضبط مثل هذه الحالات؟
أكبر قدر من المصطلحات
قال الدكتور درديري مالك استشاري المناظير والجراحة العامة ومدير مستوصف الروضة الطبي، بأن انتحال شخصية الطبيب  جريمة واضحة  ومعظم الذين يرتكبونها لا ينشدون أهدافاً مادياً بقدر ما أنهم يعانون من خلل نفسي ، باعتبار أن الفرد منهم يكون قد فشل أصلاً في دراسة الطب أو لم يكمل دراسته ويريد أن يكون طبيباً ويتمسك بهذا الهدف دون التقيد بالاستحقاقات الواجبة لعمل مثل هذا من تأهيل أكاديمي وضوابط مهنية تقنن تعريف الطبيب  فيلجأ إلى انتحال شخصية ممارس مهنة الطب، وهؤلاء الأشخاص دائماً يكونون متطلعين ويجلسون مع الأطباء لمعرفة بعض المصطلحات الطبية التي تعينه في الظهور كأصحاب المهنة، كما يحرص الفرد منهم  على تعلّم أكبر قدر من المصطلحات الطبية حتى يُحقق طموحاته.
بالنسبة لواقعة مستشفى عطبرة تساءل الدكتور الدريري عن النظام الإداري بالمستشفى الذي من المفترض أن يكون على علم بخلفيات الطبيب وأن للمستشفيات نظماً ولوائح تصنف كل طبيب حسب وحدته وطالب درديري إدارة المهن الطبية والمستشفيات بتشديد الضوابط وإعمال اللوائح.
وامتداداً لإفادات  مدير مستوصف الروضة الطبي  اعتبر الدكتور محمد الخير عبد الهادي – استشاري الجراحة العامة بمستشفى امبريال، دخول شخص لمستشفى وممارسته لمهنة الطب   ضعفاً إدارياً، وقال : (لابدّ أن تكون  الإدارة  دقيقة في متابعة ومراجعة كل من يعمل بالمستشفى، وانتحال شخصية الطبيب بمستشفى حكومي أمر يدعو للقلق مشيراً إلى أن    طلاب الطب الذين يتدربون بالمستشفيات لا يتم لهم ذلك إلا بخطاب من الجامعة، فكيف لهذا الشخص المنتحل لشخصية الطبيب دخول المستشفى وممارسة مهنة الطب لفترة طويلة من غير أن يكشف أمره واتفق الدكتور محمد الخير مع زميله الدرديري في أن اللائمة تقع على إدارة المستشفى، والمجلس الطبي ليس له دور في ذلك فهو يعطي شهادة للطبيب ويذهب بها  لوزارة الصحة وهي التي تقدم الشهادة على أساس شهادة المجلس الطبي.
وأضاف دكتور محمد خير أن مهنة الطب مهنة حساسة لا تتحمل مثل هذه الأشياء كما أنها لا تتحمل تساهل السودانيين خاصة هذا المرفق الحساس، وطالب المرضى بعدم اللجوء إلى أي طبيب ما لم يتأكد من هويته ، معتبراً ما حدث (مهزلة).
وتواصلاً لإفادات الأطباء  قال الدكتور علي مالك – أستاذ مساعد بكلية الطب جامعة النيلين، بأن انتحال شخصية الطبيب عمل مرفوض وخطأ كبير والمسئولية تقع على عاتق إدارة المستشفى وتعتبر دليل ضعف على الرقابة بها وعزا  مالك ظهور مثل تلك الحوادث نتيجة لكثرة الخريجين من كليات الطب مما جعل معرفة الطبيب من غيره أكثر صعوبة ففي السابق كان الأطباء يعرفون بعضهم .مطالباً  بإصدار عقوبة رادعة لكل من ينتحل شخصية طبيب لحساسية هذه المهنة والتي ترتبط بحياة الناس حتى لا تتكرر.
وأشار دكتور ياسين النصري – اختصاصي تركيبات الأسنان الثابتة والمتحركة، بأن ظاهرة انتحال الشخصية ليست مرتبطة بالأطباء فقط فحتى رجال الشرطة والمباحث تنتحل شخصيتهم، ولكن من المفترض كل مستشفى تريد أن توظف طبيباً أن تتأكد من صحة شهادته بالرجوع للمجلس الطبي ولابدّ للمجلس الطبي أن يكون مرتبطاً بشبكة الانترنت وأن تتضمن جميع الأطباء المسجلين لديه حتى يستطيع أي شخص اللجوء إليها لمعرفة هذا الطبيب هل هو مسجل أم لا؟ وحتى الطبيب الزائر لابدّ للمجلس الطبي أن يتأكد هل هو مسجل في بلده أم لا؟
وقال بأنه درس الطب في جامعة خارج السودان وعلى الرغم من أنها قديمة ومعروفة إلا أنه عندما طلب التسجيل في المجلس الطبي استغرق ذلك ثلاث سنوات للتأكد من صحة الشهادة فمن باب أولى منع الذين يبيعون في الشوارع الأعشاب والعلاج البلدي وغيره بدون تصريح من المجلس الطبي (فكل من هب ودب) يمكن أن يبيع من غير ترخيص ولابدّ من وجود ضوابط للبيع فأحياناً تكون العواقب وخيمة من جراء استخدام الأعشاب بطريقة عشوائية لذا لابدّ أن يكونوا مسجلين في المجلس الطبي كطبيب أعشاب أو بصير حتى يكون معروفاً وعلى أي أساس يمارس مهنته وطالب ياسين المستشفيات بمراجعة جميع شهادات الأطباء الذين يعملون بها وتشديد الرقابة في هذا الجانب، وأبان أن انتحال شخصية الطبيب منتشرة في كل دول العالم وليس في السودان فقط، و يمكن أن تختفي بالرقابة المشددة في الشهادات.
المجلس الطبي : لا إمكانية لمزيف زائر
انتحال شخصية الطبيب على المستوى المحلى فتح الباب أمام إمكانية ظهور أطباء غير حقيقيين تحت بند الأطباء الزائرين باعتبار أن صعوبة التحقق من هوية الطبيب الوطني تعني بالضرورة صعوبة مضاعفة في ضبط هوية الطبيب الأجنبي الزائر لكن المجلس الطبي شدد في مقابلة مع (الرائد) على استحالة وقوع مثل هذا المثال حيث  ذكرت ماريا محمد علي – مسئولة عن تسجيل الأطباء الأجانب بالمجلس الطبي، بأن الطبيب الأجنبي الزائر الذي يريد أن يعمل بالسودان يذهب للجهة التي تريد أن يعمل معها (حكومية – خاصة) ثم تطلب الشهادة الجامعية   موثقة في بلده وفي وزارة الخارجية السودانية بالإضافة إلى  معلومات عن الطبيب نفسه والعقد الذي بينه وبين المستشفى وصورة من الطبيب وتعرض هذه المعلومات على لجنة تسجيل الأطباء الأجانب والتي تقرر بعد دراسة الملف هل هذه المعلومات سليمة أم لا وعلى أساسها يوافق المجلس الطبي بتسجيله أم لا وإذا سجل يدفع الرسوم ويوافق على الشهادة ويعطى في المرحلة الأولى فترة ثلاثة أشهر فقط وإذا أراد أن يجدد ووافقت اللجنة بذلك يعطى فترة سنة، وحتى الطبيب الزائر إذا أراد أن يمكث فترة أسبوعين نجري له نفس الشروط. وأضافت ماريا إذا قدم شكوى من قبل مريض من طبيب زائر سيمنع من العمل في السودان مرّة أخرى.
الحادثة كان لابد من وضعها تحت طاولة التكييف القانوني حسب منطوق بنوده لتبيان العقوبة المنتظرة في مواجهة مثل هذا التصرف فحملت الرائد مباحثها إلى الأستاذ   الأمين الأحمر   (محامي) الذي أوضح أن  أي شخص ينتحل شخصية عامة سواء يرتدي زيها أو يعمل عملها يعتبر قد ارتكب جريمة وعقوبته السجن سنتين أو الغرامة أو العقوبتين معاً استناداً لنص المادة (93)  من القانون الجنائي لعام 1991م.. وأضاف بأن هذه العقوبة غير رادعة ومن المفترض أن يعدل هذا القانون فالشخص الذي انتحل شخصية الطبيب فقد مارس هذه المهنة على بشر وهنالك مرضى قد تضرروا من جراء ذلك أو تأخر شفاؤهم وطالب الأمين أي شخص تضرر من هذا الطبيب أن يفتح بلاغاً ضده حتى يُعاقب.
وطالب أجهزة الأعلام بتوعية المواطنين حتى لا يقعوا فريسة لمنتحلي الشخصية.
ويقول المستشار القانوني عبدالله الضو: إن انتحال الشخصية سلوك إجرامي يحاول من خلاله المجرم الوصول إلى منافع خاصة.. وهو ما ينفي أية علاقة له بالأمراض النفسية أو العقلية، بل كمبدأ قانوني لا يجوز لأي شخص منهم أن يدفع أمام المحكمة بالجنون أو بمرض نفسي في جريمة تقوم على أساس الاحتيال، والقانون الجنائي السوداني جرمه بنص المادة (93) انتحال صفة الموظف العام، والتي تنص (من ينتحل بسوء قصد شخصية موظف عام أو يزعم أو يتظاهر بأنه كذلك أو يتزيا بزي موظف عام، يُعاقب بالسجن مدة لا تجاوز السنتين أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً).
التفسير النفسي لما جرى :
بعد التكييف القانوني وعرض حجم الجرم وفق القانون الجنائي كان لابد من استصحاب الطب النفسي إذ أن بعض الحالات المرتبطة بانتحال الشخصية تركن للدفاع عن نفسها بوجود شبهة الخلل النفسي ويرى الدكتور معتصم الطيب أستاذ علم النفس بجامعة الخرطوم أن أي سلوك يتقاطع مع النسق القيمي يُسمى غير السوي مضيفاً: أن هنالك عدة عوامل تدخل ضمن كيفية تصريف السلوك الإجرامي نفسه في الجرائم التقليدية التي تحتاج لقدرات عقلية وانتحال الشخصية فيه من درجات الذكاء والقدرات العقلية فالإنسان الذي يتقمص شخصية فرد أو وظيفة أو مهنة يكون تلقائياً قد أطلع على المواصفات المتوافرة في صاحب المهنة ومنتحل الشخصية يصنف في أكثر من بُعد على مستوى الشخصية، إذ يعد شخصية غير سوية وفي البعد الآخر يمكن تصنيفه على أنه مرض من الأمراض النفسية القاتلة.
وقال الدكتور أنس محمد أستاذ علم النفس بجامعة النيلين: إن الشخصية الإنسانية تتكون من مجموعة من المكونات  وفي ظروف البيئة والظروف الاقتصادية كل ذلك يتضح من خلال شخصية الفرد وإذا كان الفرد قد نشأ نشأة طبيعية بمعنى أنه لم تمر بحياته مشاكل وكان ينجح في مدرسته ومقبول بين أقرانه في هذه الحالة تصبح الشخصية مكتملة وفاعلة في المجتمع بمعنى مفيدة في إنجاز جانب العمل وفي التواصل الاجتماعي والأسري والتعامل معها مريح وسهل وغير مؤدي لمشاكل، وفي الجانب الآخر هنالك شخص يعاني من التفكك الأسري أو تعرض لفشل دراسي أو تعرض لبعض الأزمات الاقتصادية أو فقد أحد الأصدقاء أو الأقارب فمثل هذه المشاكل تلغي بظلالها على شخصية الفرد وعندها يبدأ الإنسان في البحث عن شخصية أخرى لا تعبر عن شخصيته الحقيقية وإنما هي شخصية تصورية (خيالية) وعندها يبدأ الإنسان بالتفكير بصورة تحمل درجة من التناقض وقد يتعقد الأمر لدرجة محاولة التعايش وتحقيق الشخصية وتصورها عندها نجد أولئك الأفراد الذين يقومون بانتحال شخصية أخرى أو حسب ما يراه أهل القانون انتحال شخصية، ومن ناحية قانونية يؤدي عقوبة جنائية ولكن نرى أنه ليس مريضاً ولكنه ربما يعاني هذا الشخص من صراع داخلي وعليه يبدأ الشخص في تصرف شخصية أخرى مثل الذي ينتحل شخصية رجل الشرطة ويبدأ في ممارسة مهام رجل الشرطة ويكون على درجة ودراية بمعرفة النواحي الشرطية (الاحتجاز – والتفاصيل التي تهم رجل الشرطة).
وأضاف أنس مثلما طالعتنا الصحف كذلك بالشخص الذي انتحل شخصية الطبيب بمستشفى عطبرة وإذا عملت لهذا الشخص دراسة نجده يفكر ويتصرف وكأنه طبيب وأمثال هؤلاء الأشخاص يصلون درجة أنهم يصدقون أنفسهم، ويعتبر هذه الشخصية الصورية هي الشخصية الحقيقية فيدخل في صراع نفسي وهذا الصراع النفسي إذا ما تعرض لدرجة من الضغوط يكون أكثر قابلية ليصبح مريضاً نفسياً.. والذي ينتحل شخصية الطبيب الأسباب النفسية وراء ذلك التطلع الزائد في الوضع الاجتماعي الأمثل ولكن الظروف والإمكانات لم تساعده ولكن ربما إذا أُتيحت لهذا الشخص ظروف مناسبة لأصبح طبيباً ناجحاً ومن المحتمل أن قدراته لا تؤهله بأن يصبح طبيباً وما يساعد على مثل هذه السلوكيات المجتمع السوداني لأننا لا نهتم بالتدقيق والتحري من شخصية الفرد وحتى على المستوى المؤسسي فالمجاملة طابع المجتمع السوداني وحتى في نظام المؤسسة لا نقوم بمراجعة الشهادات وفي بعض الدول تراجع المؤهلات وحتى يصل للمؤسسة التي منحت الدرجة للتأكد من ذلك.
وأضاف بأن المريض يتعامل مع الطبيب بصورة مسلم بها ولابد أن يضع في اعتباره بأنه طبيب وربما يخطئ، فانتحال الشخصية جذورها نفسية ولكن مع تضافر الجهات القانونية والمجتمعية وديوان شؤون الخدمة يمكن أن يقلل منها وإذا نظرنا للعالم من حولنا نجد أن جريمة انتحال الشخصية في السودان بسيطة وليست مقلقة وعلى الرغم من أنها تكثر في مهن في غاية الحساسية كالطب والهندسة والأمن والشرطة  ففي الدول الأخرى نجدها بصورة كبيرة وذلك يرجع لطبيعة الشخصية السودانية والتي تعتز بنفسها وعملها مهما كان نوعه وأسرته وبقبيلته.
آخر التطوّرات
في تطوّرات حادثة انتحال شخصية الطبيب بمستشفى عطبرة، والتي أثير حولها جدل واسع النطاق، أصدرت الدكتورة سامية محمد عبد الرحمن وزيرة الصحة بنهر النيل قراراً وزارياً قضى بتشكيل لجنة وزارية لتقصي الحقائق والملابسات حول حادثة انتحال أحد الأشخاص لصفة الطبيب بمستشفى عطبرة، باعتباره مشكلة إدارية في المقام الأول.
وأسند القرار الوزاري رقم (25)  لمدير عام وزارة الصحة مهام رئاسة اللجنة والتي ضمت في عضويتها كوادر اختصاصية إلى جانب المستشار القانوني وممثل الأجهزة الأمنية، وسمي القرار المستند لأحكام المادة (33)  من الدستور الولائي مهام اللجنة في التحقيق إدارياً حول واقعة منتحل شخصية الطبيب والمدة التي أمضاها بمستشفى عطبرة، وطالب القرار اللجنة بإحكام آلية التنسيق مع جهات الاختصاص لمعرفة ما اتخذ من إجراءات بشأن القضية، وكان قد فوض قرار وزير الصحة اللجنة بأي مهام تمكنها من الوصول لحقائق حول الحادثة على أن ترفع تقاريرها في مدة أقصاها أسبوعاً.
وقال الدكتور سمير أحمد عثمان رئيس لجنة تقصي الحقائق في تصريحات صحافية عن شروع لجنته الفوري في مباشرة أعمالها واتخاذ كافة التدابير لاستجلاء الحقائق بشأن الطبيب المزيف.

المصدر :صحيفة الرائد


 

الأخـبــــــــار

الإعدادات

أخبار القوات المسلحة

الإعدادات

الإقتصاد والمال

الإعدادات

التقنية والأسلحة الذكية

الإعدادات

الرياضة

الإعدادات

استراحة محارب

الإعدادات

احتساب

احتساب

 

قال تعالي (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْ...