النقل والإصلاح ما يقارب السبعين عاماً من التاريخ الناصع

لجأت بريطانيا لتطوير سلاح حملة الحيوان بقوة دفاع السودان ليلبي احتياجات الحرب العالمية الثانية
الفريق إبراهيم عبود أول من سودن سلاح الخدمة
لعبت البلوكات السريعة دوراً حاسماً في الحرب العالمية الثانية ضد الإيطاليين

إدارة النقل والإصلاح
تمثل آلية تمهيد النقل في القوات المسلحة الحديثة العمود الفقري لمنظومة الحركة التي باتت من العوامل الرئيسية التي تضمن تحقيق النصر للجيوش في ميادين القتال، وكلما بلغت هذه الحركة من السرعة والمرونة وفرت عامل الوقت الذي هو أهم ركائز المعارك لأنه يضمن عناصر المباغتة والإمداد والانسحاب والمطاردة. ولا يخفى على أحد أن أهم تلك العناصر هو عنصر الهجوم، فكلما كان سريعاً ومباغتاً للعدو كلما كان الجيش المهاجم ممتلكاً لعنصر المفاجأة التي تربك خطط العدو وتجبره على التعامل مع الهجوم وفق تقدير الحالة والظرف دون تخطيط مما يجعل نسبة إمكانية تحقيق انتصار ضئيل بالمقارنة مع القوة المهاجمة لذا كان من أهم الخطوات التي اتخذها المستعمر الإنجليزي للسودان بصدد تطوير قوة دفاع السودان هو تكوين وحدة قتال سريعة لمجابهة الاحتمالات الكبيرة لنشوب حرب عالمية في العام ١٩٣٩م.
ولم تأخذ القيادة الإنجليزية في هذا الإجراء وقتاً طويلاً فأنشأت ما أسمته البلكات السريعة التابعة لسلاح الحملة الميكانيكية والتي كانت تسمى بسلاح حملة الحيوان قبل أن يتم إدخال الآليات الميكانيكية فيها واليوم نحن بصدد استعراض تاريخ هذه الوحدة العريقة استناداً على بعض المراجع التاريخية الورقية ممثلة في كتاب (مواقف وبطولات سودانية) في الحرب العالمية الثانية لمؤلفه الأستاذ محمد خير البدوي وبعض الإفادات الشفاهية التي استمعنا إليها من بعض الذين عاصروا حقباً مختلفة من تاريخ سلاح النقل الميكانيكي .
الخلفية التاريخية لهذه الوحدة
كانت قوة دفاع السودان تعتمد كلياً في حركتها على الجمال والخيول والحمير والبقال لنقل عتادها وتعييناتها الى مناطق ممختلفة وفي ميادين المعارك الداخلية التي شنتها على بعض الخارجين. الحكم الثنائي أو بعض المشاكل القبلية التي كانت تنشأ هنا وهناك بسبب المراعي المياه وغيرها من الأسباب.
تطوير قوة دفاع السودان
بدأت إرهاصات الحرب العالمية الثانية نذرها ولما كانت قوات المحور بقيادة ألمانيا وإيطاليا تستهدف جزءاً من منطقة شرق أفريقيا وشمالها، وكان السودان باعتباره ذو موقع استراتيجي لربطه بين العالم العربي ودول أفريقيا وكمعبر يطل على ساحل البحر الأخمر الذي إذا تمت السيطرة عليه فإن القوات الغازية يمكنها قطع الإمداد عن دول الحلفاء، وكذلك فرض السيطرة الكاملة على حركة الملاحة في البحر الأحمر، ولما كانت إنجلترا تستعمر السودان ورأت أن خطة الاستيلاء على السودان من قبل دول المحور يهدد مصالحها، بل إن ذلك يجعل دول الحلفاء تتخذ السودان كقاعدة لانطلاقها لباقي الدول العربية والأفريقية في حال سيطرتها على السودان رأت إنجلترا أنه لا محالة من تطوير قوة دفاع السودان لتكون قادرة على الدفاع عن السودان ومساعدة قوات الحلفاء في حربها ضد قوات المحور على الأقل في المحور الأفريقي رأت أن تبدأ تطوير قوة دفاع السودان بإنشاء بلكات سريعة تكون قادرة على الحركة بسرعة بواسطة الآليات العسكرية بدلاً عن اعتمادها على الجمال والبغال والحمالين.
السراب الميكانيكية
يقول الأستاذ محمد خير البدوي في كتابه مواقف وبطولات سودانية في الحرب العالمية الثانية صحفحة ٥١ بادر الجنرال فرانكلين القائد العام لقوة دفاع السودان آنذاك بوضع برنامج لتشكيل السرايا الميكانيكية التي اشتهرت أثناء الحرب باسم البلكات السريعة مما اقتضى قيام سلاح الخدمة (الحملة الميكانيكية) الذي اتخذ مقره بالخرطوم بحري بالقرب من جسر النيل الأزرق واتخذ له فروعاً في كل من الأبيض والفاشر وجوبا وأصبح هذا السلاح الجديد مرفقاً لتجنيد وتدريب السائقين والفنيين الميكانيكين وكان يضم عند نشأته ثلاثة ضباط بريطانيين وضابطين سودانيين هما أحمد محمد الجعلي (أول قائد عام لجيش السودان فيما بعد) وإبراهيم عبود (الذي تولى حكم البلاد في الفترة من (١٩٥٦ إلى ١٩٦٤) وثلاثة صولات بريطانيين وموظف بريطاني مدني مسؤول عن المخازن وكان من ضمن مقتنيات سلاح الخدمة عند إنشائه سيارتان مصفحتان طراز رولس رويس من مخلفات الحرب العالمية الأولى اشتراهما في الأصل دوق وستمنستر للفرقة التي تحمل اسمه.
تصميم سيارة مصفحة لقوة دفاع السودان
أوحت السيارات للأميرلاي (وقتها) غردون سيتوارت بك قائد السلاح آنذاك بتصميم سيارة مصفحة لقوة الدفاع وقام الفنيون في ورش سلاح الخدمة في الخرطوم بحري على ضوء ذلك بصنع السيارة المطلوبة قاعدتها شاسي شاحنة عادية (3 طن) ومسلحة بمدفع فيكرس ومدفع بويس مضاد للدبابات ومثبت على قاعدة دوارة وقد تم بعد اختيارها وإجراء تعديلات عليها إنتاج حوالي ٥٠ سيارة منها استخدمت في القتال ضد الإيطاليين في إريتريا.
استمرار التطور
لم تقتصر مساهمة سلاح الخدمة على إنتاج السيارات المصفحة، بل قامت أيضاً بتصميم سيارات (الفان) الخفيفة المزودة بمدفع البرين وهي سيارات ذات عجلات عريضة حتى لا تغوص في والوحل وقد أنتجت الورش في الخرطوم منها ما يكفي لسد حاجة قوة دفاع السودان وبالذات لاستخدام البلكات السريعة التي أقضت مضجع الجنود الإيطاليين خلال الشهور الأولى من الحرب.
تكوين البلوكات السريعة
كان عدد السرايا المسماة بالبلكات السريعة عند نشوب الحرب العالمية الثانية في العام ١٩٣٩م حوالي خمس سرايا موزعة بين كسلا وأم درمان والأبيض وبارا والفاشر وكلها مجهزة بتلك الآليات التي أنتجتها ورش سلاح الخدمة مما يعظم دور ذلك السلاح الوليد في دعم مسيرة قوة دفاع السودان في خوضها للحرب العالمية الثانية بجانب الحلفاء.
أخيراً كانت هذه هي نواة سلاح النقل الميكانيكي الذي واصل تطوره إلى أن وصل إلى مستواه الحالي والذي سنلقي الضوء في حلقاتنا القادمة بإذن الله على التطور الذي وصل إليه ذلك السلاح أو الوحدة الفنية التي تلعب دوراً مهماً لما ذكرنا في مفاصل القوات المسلحة والجدير بالذكر أن الفريق ‘براهيم عبود هو أول من سودن سلاح الخدمة بعد أن تمت سودنة قوة دفاع السودان وبذا أصبح أول ضابط وطني يتولى قيادة هذه الوحدة العريقة.