Back أنت هنا: الرئيسية عن الوزارة مقالات وآراء حرة

القوات المسلحة تجارب ومواقف 74

بقلم: اللواء الركن (م) محمد زين الصديق
 
إن السمات المميزة لمجتمع العسكريين والتي ينظر إليها التحليل السوسيولجي لمجتمع العسكرية من زوايا متعددة حسب ما أفادنا به العميد دكتور أحمد خليفة وهي الزاوية الأولى وتقول إن العسكريين يشعرون أنهم ينتمون إلى قطاع معين يختلف عن باقي قطاعات المجتمع وإن لهذا القطاع معاييره وقيمه وثقافته الخاصة وله أيضاً علاقاته بباقي قطاعات المجتمع ويقوي التضامن بين أفراد القطاع المتمركز حول ذاته لاعتبار أن أفراده من المدنيين يمثلون مستويات أدنى منهم لأنهم يرون سمو قيمتهم في الانضباط العسكري والشرف والوطنية وهذه القيم لا تتفق مع القيم النفسية التي تسود المجتمع المدني وهذا أمر يلاحظه ويمر به كل من التحق بالكلية الحربية السودانية والتي تغرس مثل تلك القيم في نفس الطالب الحربي وشعار الكلية الحربية السودانية يردده الطلبة الحربيون في التمام الصباحي والتمام المسائي حيث يهتف كل الطلبة الحربيين وبصوت واحد ترتج له أنحاء وأرجاء الكلية الحربية وهو "الواجب، الشرف، الوطن".. إذن ليس غريباً أن يحس هذا الإحساس في المجتمع العسكري وإذا انتشرت الحالة العسكرية في المجتمع فإن هذا يعطي العسكريين إحساساً بأنهم سادة كل الجماعات الأخرى، أما الزاوية الثانية فتتمثل في الاعتراف بالتقييم الرأسي للقوات المسلحة الى أنساق فرعية وطبقية بمعنى أن ينظر الأفراد العسكريون الى أنفسهم بأنهم أعضاء سلاح خاص (قوات برية ـ جوية ـ بحرية)، وهذا يعطي العسكريين إحساساً بالانتماء إلى قطاع خاص في المجتمع العسكري الكلي على الرغم من ارتباط هذا الإحساس بالانتماء إلى القوات المسلحة ككل. حيث تكون هنالك قيم واضحة للتضامن الناتجة عن المعايير المشتركة بينهم، أما الزاوية الأخيرة فهي أوسع زوايا التحليل السوسيولجي لمجتمع العسكريين لارتباطها مباشرةً بتعريفات المجتمع العام، فالقوات المسلحة للرجل العسكري ليست مجرد تنظيم لأنها تنظم عمله وحياته بأكثر مما يفعل أي تنظيم آخر وأقول إن أي رجل عسكري لم تنظم العسكرية عمله وحياته فإنه لم يستفد من العسكرية أي شيء أو كما يقول المعلمون للطالب الحربي غير المنضبط إنه ما زال ملكياً ويتمتع الإحساس بالمجتمع هنا من المجال الجغرافي المحدود للموقع العسكري الذي يمارس فيه الأفراد سوياً أنشطتهم المشتركة فمجتمع العسكريين هو مكان للإقامة والعمل، والعمل يجمع أفراد المجتمع الأكبر لفترة معينة من الزمن يعيشون فيها حياة مشتركة في بناء رسمي، وطبقاً لهذا المفهوم فإن القوات المسلحة تعتبر نسقاً اجتماعياً لا ينظم الحياة الشاملة للأفراد فقط ولكن يضع قيوداً على تفاعلهم مع من هم خارج النسق وتذهب فكرة مجتمع العسكريين في هذه الزاوية الى أبعد من هذا فهي لا تشمل فقط أفراد القوات المسلحة، ولكنها تضم أسرهم أيضاً وقبل أن أختم مقالي هذا لابد للحديث عن الجندي السوداني وأشكر كل الشكر الأخ دكتور أرباب الذي أفادني بهذه المعلومة وهي أن جاكسون باشا حكمدار بربر وحلفا قال في مقدمة كتابه "السودان المحارب" حيث قال: هل في الدنيا عسكري اختبر بقوة وفاء أكثر من العسكري السوداني كل اختبار قابلوه بشجاعة وبسالة وفخر وإعزاز، أما تشرسل فقال في "حرب النهر" وهو يحكي عن شجاعة الجندي السوداني كنا نجد الجندي السوداني ليثاً وعيناه مفتوحتان لا خوف ولا جبن، بل فيهما نظرة تحدي واحتقار للسلاح الناري الذي قتل به ويقول تشرسل في كتابه في موقع آخر وهو يتحدث عن معركة كرري لم نقتلهم ولكن دمرناهم تدميراً وهي أن المعركة لم تكن متكافئة فالجندي السوداني كان معظم تسليحه من السلاح الأبيض، أما الجيش الغازي بقيادة كتشنر فيملك أحدث أنواع الأسلحة النارية في ذلك الوقت لذا تم حصد أولئك الجنود بالسلاح الناري وليس بالمواجهة المباشرة وإن من المعروف أن تشرسل هذا كان مراسلاً حربياً لذلك الجيش وأصبح رئيساً لوزراء بريطانيا في وقت لاحق وإلى لقاء قادم إن شاء الله والله الموفق وهو المستعان.

القوة .. استراتيجية عظمى لميزان الحرب والسلام

فيصل احمد عباس
 
القوة هي أساس السلام كما هي أيضاً أساس الحرب إذ أن القوة هي الأداة التي تتحكم وتفرض نفسها وذاتها وسطوتها وعنفوانها وهيبتها وقدراتها في إدارة شؤون الحرب وإدارة شؤون السلام.. فالتحولات النوعية والتغيرات المحورية في مرآة التاريخ وذاكرته قامت وحرت وفق استراتيجية القوة المسلحة الفاعلة ذات الوزن القياسي أو التهديد والتلويح تلك القوة. وإذا كانت علاقة القوة بالحرب فهذا أمر لا جدل فيه ولا يختلف فيه اثنان وأمر يحتم على وقوعه وإرادته وفاعلية وحركته الواقع الآني والتاريخي، فالعلاقة بين القوة وتأثيراتها على معيار موازين القوى لا تحتاج إلى شرح أو توضيح وتعليل، فإن علاقة القوة السلام تحتاج إلى تأكيد من الممكن أن تقوم بعكس النظرية أو المقولة التي قالها كلاوزفتر لتصبح السياسة استمراراً للحرب ولكن بوسائل أخرى تستند إلى الموازين القائمة في مسرح العمليات، ولكن بثمن أقل، فالقوة كما هو معلوم عنها هي سيدة المواقف وإمبراطورية الحدث وخاصة إذا كانت هذه القوة على درجة كبيرة من التكافؤ والتوازن بين أواصر ومتطلبات القوى المختلفة المادية، المعنوية، الاقتصادية، العسكرية، التسليحية، الفكرية، الإعلامية، التكنولوجية، وغيرها من أبعاد القوة التي لها القدرة والفاعلية والأفكار التي تديرها حرباً أو سلماً.. وإذا كان منظور ومنتوج وفكر استراتيجية القوة بإمكانه أن يصل الى هدفه وغاياته عن طريق الحرب والقتال كذلك بإمكان هذه القوة من الوصول الى أهدافها وغاياتها بالحوار والسلام ويكون هنا المعدل في صرف وإنهاك القوى في حالة استخدام القوة في استراتيجية السلام أقل كثيراً وأجدى من استخدام القوة في استراتيجية قتالية، فقوة الدولة يتم قياس ميزانها النسبي من خلال القدرة الاقتصادية والإرادة القومية والقدرة الحيوية، والأهداف الاستراتيجية والقوة التكنولوجية والقدرة الدعائية والإعلامية والقدرة الدبلوماسية والقدرة السياسية والقدرة الفكرية في إدارة كل ما ذكرناه حرباً وسلماً والقوة تعني القدرة التامة على بسط النفوذ والحفاظ على الكيان وتغير اتجاهات فهم وسلوك الآخر، كما أنها تعني القدرة والتمكين على عملية الانتصار في حلبة الصراع. وتكمن قوة عناصر الدولة الاستراتيجية في موقعها الجغرافي والجيوفيزيائي والجيو بلوتيكي والجيواستراتيجي والعنصر السكاني والقدرة الإنتاجية والموارد المادية والطبيعية ومستوى النمو الاقتصادي وكفاءة المؤسسات والهيئات الدبلوماسية والسياسية وأجهزة الدعاية والإعلام. هذا بالإضافة إلى أهم عنصرين هما عنصري الإمكانيات العسكرية والتسليح وعنصر التقدم التقني والعلمي (التكنولوجي)، ويجب أن نلاحظ ملياً وبعمق أن عملية إدخال القدرة الدبلوماسية هو من أهم العوامل في قياس قوة الدولة وتعتبر القدرة الدبلوماسية من الخطورة والتأثير بمكان إذ أنها تعتبر المحصلة لجميع القدرات الاقتصادية والسياسية والحيوية والعسكرية والإعلامية الدعائية في الدولة، ونلاحظ في عالمنا اليوم غير ما كان في العوالم التاريخية السابقة والتعقيدات التي طرأت على الصراعات والأزمات حتى أصبح من الصعوبة بمكان إيجاد المعادلة الاستراتيجية للتعامل معها بفكر واتزان، كما نلاحظ أن غالبية التعامل في عملية حسم تلك القضايا والأزمات يتم عن طريق القوة العسكرية ووقوع الحرب والتي لم تجدِ شيئاً وخير مثال على هذا الأمر تلك الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة لاستعراض قوتها وسطوتها لتقول للعالم من أقوى مني بدءاً بالحرب ضد أصحاب البلاد الحقيقيين الهنود الحمر وحرب فيتنام وكوبا، وأخيراً وليس آخراً حرب العراق التي وتلقنت فيها أمريكا درساً قاسياً لن تنساه ما طال الزمن.. ولا أنسى هنا ما جرى من قبل أمريكا في دولتي هيروشيما ونجازاكي وضربها بأخطر سلاح عرفته البشرية المتمثل في السلاح الذري الخطير. وهنا لابد من إيجاد العادلة والموازنة في أبعاد وأفكار القوة التي تعرف كيف تدير قوتها في طريق الحوار والوفاق والسلام والابتعاد ما أمكن عن الحرب والقتال الذي أصبح في عالمنا اليوم ليس الحل المثالي أو الاستراتيجي وإنما هو حل سالب لا يتوافق أو يتماشى مع الوضع الراهن.

فترة عملي بالقوات الجوية ٢

بقلم: عميد (م) سيد أحمد محمد
 
في اليوم المحدد هو اليوم ١٥/ ٢/ ١٩٨٧ بلغت الى سلاح الطيران بالخرطوم بأمر تحرك وعند وصولي وجدت السادة اللواء طيار ركابي واللواء طيار المكاشفي وعرفتهم بإلحاقي للسلاح ورحبوا بي وقالوا لي نحن ما عاوزنك هنا نحن عاوزنك تكون بالقاعده بوادي سيدنا والآن في عربة ستذهب الى وادي سيدنا فاذهب معها وقد كان ذلك، ذهبت وقابلت قائد القاعدة العميد طيار آنذاك علي المرضي ورحب بي ترحيباً حاراً وكان رجلاً شهماً وكريماً وقال لي إن شاء الله ستجد منا كل تعاون وفي اليوم التالي مباشرة بدأنا التسليم والتسلم بيني والعقيد آنذاك يوسف الطيب والمهمة كبيرة لأني سأكون رئيساً للقسم المالي بالقاعدة والجناح الفني بالقاعدة والحقيقة التي لابد من ذكرها أنني وجدت قائد وضباطاً يشرحوا الصدر ويفرحوا القلب وجدت منهم تعاوناً منقطع النظير وبالرغم من كثرة العمل والمسؤوليات الا أنهم كانوا قدر التحدي حيث العمليات على أشدها في تلك الفترة وهم كالنسور الكاسرة ولو لا شجاعتهم وجسارتهم لما انكسرت شوكة التمرد الذي يقوده الخوارج وانخفض رأسهم وقبولهم في النهاية المفاوضات مهزومين مكسوري الجناح فيا لنسورنا من أسود ضارية وشهدت في وجودي في القاعدة الجوية أرتالاً من الشهداء الطيارين وكان زملاؤهم يستقبلون أخبار استشهادهم بالتهليل والتكبير والإصرار على مواصلة المهمة مهما كانت التضحية كانت فترو إلحاقي على القوات الجوية لمدة عامين من شهر فبراير ١٩٨٧ الى فبراير ١٩٨٩ والحقيقة حاول القادة نقلي الى القوات الجوية ولم أمانع وأظن أن القادة في سلاح النقل آنذاك لم يوافقوا وأنا كما ذكرت وجدت من التعاون والإلفه وحسن المعاملة من القادة والضباط وحتى الأفراد بالقسم المالي وكل صف وجنود القاعدة وحقيقة كان الإخوة الضباط بالقاعدة وقادتهم كانوا كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
أقول بعد فترة من قيادة العميد طيار علي المرضي نقل الى القاعدة اللواء طيار المكاشفي وكان الفريق طيار محمد علي عربي هو قائد القوات الجوية ونائبه اللواء طيار الركابي وحقيقة كان العمل يسير بصورة جيدة للغاية والتعاون علة أشده، أذكر بالخير من الإخوة الضباط الذين كانوا بالقاعدة العقيد طيار آنذاك محمد عبدالقادر والذي صار فيما بعد قائداً للقوات الجوية برتبة الفريق ونسيت أن أذكر أيضاً أن العميد طيار علي المرضي أيضاً صار قائداً للقوات الجوية برتبة الفريق وأذكر الإخوة العقيد ملاح جوي آنذاك عبدالرحمن سر الختم والعقيد طيار محي الدين أحمد عبدالله والذي أيضاً صار فيما بعد قائداً للقوات الجوية برتبة فريق والعقيد طيار الروبي وأيضاً العقيد طيار الشهيد مختار محمدين والذي سميت لاحقاً القاعدة باسمه عليه وعلى زملائه الذين استشهدوا بالقوات الجوية الرحمة والمغفرة وغيرهم نترحم على كل شهداء القوات المسلحة البواسل وكل شهداء الوطن.
أيضاً من الضباط الذين لا أنساهم أبداً لطيبتهم وحسن تعاملهم معي المقدم آنذاك إسماعيل بريمة عبدالمصد والذي هو الآن نائب رئيس الأركان المشتركة برتبة الفريق أول وهو أهل لذلك والمقدم مهدي عطا المنان ضابط الاستخبارات النشط، والمقدم المرحوم محمد سعيد والرائد خميس عباس والنقيب أبو الفتوح وآخرون كثر من الإخوة الأعزاء والذين لم تسعفني الذاكرة فرداً فرداً لأنهم يستحقون وكان أيضاً من الشباب الطيارين صلاح عبدالخالق الرجل الخلوق والنقيب طيار الطاهر وهم الآن برتبة اللوآء ولا أنسى أيضاً المقدم آنذاك مصطفى الهوي والرائد الوسيلة والرائد سيد وأيضاً تشرفت بمعرفة العديد من ضباط القوات بالخرطوم وأيضاً أذكر بالخير كله الأخ الفريق عصام مبارك وهو أيضاً معرفتي به منذ كان برتبة الرائد وهو الآن قائد للقوات الجوية نهنئة بذلك.
أذكر عند ما حان وقت مغادرتي القاعدة الجوية اتصل قائد سلاح النقل آنذاك اللواء المرحوم أبو القاسم إبراهيم (ابلبش وهو رجل ذكي ولماح عليه رحمة الله فقال لقائد القاعدة اللواء المكاشفي نحن محتاجين للرائد سيد أحمد نرجو أن يبلغ لنا بأسرع ما يمكن ولم يمانع اللواء المكاشفي، بل قال له يا سعادتك إن الرائد سيد أحمد ليس ضابطاً عادياً، بل هو تحفة يجب المحافظة عليها وأذكر أن اللواء المكاشفي كان قد طلب لجنة تفتيش من الشؤون المالية للتأكد من سلامة كل الإجراءات المالية بالقاعدة فأذكر أن اللجنة قامت بالتفتيش وهي برئاسة العقيد محاسب ابن عمر وكان مشهوراً آنذاك بالدقة والشطارة في النواحي المالية حتى أن نائب قائد القاعدة آنذاك الرشيد قال لي إن العقيد ابن عمر سيقوم بتفتيش النواحي المالية والمحاسبية والعمل الإداري بالقاعدة فهو علم على رأسه نار فقلت له حبابو عشرة، نحن جاهزين فكان أن قام بالتفتيش ومعه تيم كبير من الشؤون المالية لأكثر من عشرة أيام.. قال لي ابن عمر ألف مبروك كل شيء تمام ـ فكانت بالنسبة شهادة أخرى

الاستراتيجية وملامح التغيير القادم

فيصل أحمد عباس
 
نلاحظ أن المنظمات العالمية التي قامت وتأسست من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية والمتمثلة في منظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية (سابقاً الاتفاقية العامة لشأن التعريفات الجمركية والتجارة) وهي الآن غير فعالة بالصورة المطلوبة والمقبولة وإلى حدٍ كبير بسبب التغيرات العالمية التي أثرت وهزت مجموعة الافتراضات الجيو سياسية والجيو اقتصادية والجيو استراتيجية التي كانت قائمة عليها أهمها كان الافتراض بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستقوم بتأمين القيادة العالمية وما دامت الولايات المتحدة الأمريكية عرضت الرؤية اللازمة لهذه المنظمات ما دامت معظم دول العالم كان لديها نقد بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل على تحريك المجتمع الدولي في الاتجاه الذي يقع في مصلحة كل الدول، كانت تلك المنظمات في أغلب الأوقات تعمل بشكل جيد وإذا كان ينظر الى أهداف أي دولة على أنها كانت بدافع السعي وراء الأهداف التي تصب في مصلحة الكل ليتم تعزيز سلطتها السياسية الى حد كبير على العكس من ذلك إذا ما كان يتم النظر الى الدول التي تعرض قيادتها للعالم بأنها تسعىي وبشكل أساسي الى تعزيز مصالحها الخاصة البسيطة والمتواضعة كتعزيز الآفاق والرؤى التجارية لشركاتها على سبيل المثال فإن يتم إضعاف قدرتها على منظور العبارة، وبعد أكثر من ثلثي قرن من وجودها تواجه هذه المنظمات المتعددة الأطراف انتقادات من البلدان النامية والمهمشين لشؤون البيئة مناصري الفقراء لما يراه الكثيرون بأنه (عجز اجتماعي) يحتاج كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الى دعم ٨٥٪ من حقوق التصويت التي تمتلكها الدول الأعضاء، وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك أكثر من ١٥٪ من حقوق التصويب في كلتا المنظمتين فإنها تملك بذلك حق الفيتو على قراراتها وبالمثل تتساءل بعض الدول الأخرى لماذا لا تزال كل من بريطانيا وفرنسا من بين الدول الخمس فقط الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة؟ في حين أن دولة البرازيل التي تمتلك ناتجاً محلياً إجمالياً أكبر من أي منهما والهند التي يفوق الناتج المحلي الإجمالي لديها مجموع الناتج المحلي لكليهما مجتمتعين والتي ستصبح البلد الأكبر في العالم من حيث التعداد السكاني ليستا من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.. ونلاحظ أن فقدان الثقة الكبير في قيادة الولايات المتحدة الأمريكية لاسيما منذ حدوث الأزمة الاقتصادية ٢٠٠٧ ـ ٢٠٠٨م الذي زاد من سرعة عجلة التحول في ميزان قوى العالم ما حدا بعد ذلك وجود وظهور توازن عالمي جديد تقاسم السلطة في مركزه كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وأياً كان هذا التوازن الجديد الناشيء للقوى فإن تركيبة الخاضعة ستحدد بحسم مجموعة القياسات في غاية الأثر والأهمية نحو مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية والصين والدول القومية بشكل عام، ومع وجود اقتصاد عالمي متكامل وبإحكام وشبكة رقمية عالمية فإننا نشهد الآن وفي كل هذه التطورات والتطورات استراتيجيات جديدة اقتصادية وسياسية وثقافية وكنتيجية حتمية لكل هذه التغيرات والتحولات في ميزان الاستراتيجية الناتج عن تغيير ميزان القوى سنفاجأ بالكثير من الأحداث والأزمات والقضاياب الشائكة والتي سوف تطفو فوق سطح وتؤثر بصورة أو بأخرى في ملامح هذا العالم القادم على نوع جديد من التشكيل والتغيير في ملامح الصورة وخاصة أن الدب الروسي يحاول النهوض لدخول الساحة العالمية ومعركة التفوق ونجد أن الكثير من الدول الأوروبية تعيش في بيات شتوي طويل بينما الأمة العربية والإسلامية تحارب بعضها بعضهاً وتخرب اقتصادها وتفني نفسها بنفسها

الاستراتيجية وظهور توازن القوى الجديد

فيصل أحمد عباس

بدأ ظهور نوع جديد من درجات التوازن في القوى السياسية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية في العالم قد أدى ظهور نوع جديد أيضاً في الاستراتيجيات.. هذه التغيرات والتبدلات التي طرأت في هذا العالم من وجود اقتصاد عالمي مترابط وشكل أكثر توازناً وعمقاً يعمل على نحو متزايد ككيان.. متكامل. وله علاقة جديدة مع تدفقات رؤوس الأموال، والعمالة، والأسواق الاستهلاكية والحكومات القومية والتي اختلفت تماماً عما كان في الماضي، كذلك ظهور شبكات اتصالات إلكترونية على نطاق الأرض تقوم بعملية الربط بين أفكار وعقليات ومشاعر مليارات من البشر وتوصلهم إلى عدد كبير من البيانات التي تتنامى وتتوسع على نحو انتشاري وشبكة سريعة النمو من أجهزة الاستشعار الموجودة بكثرة في كل أنحاء هذا العالم وإلى أجهزة ذكية متطورة ساهمت في تغيير الكثير من الثقافات والمعارف والأفكار.. وأجهزة متطورة، وروبوتات، وآلات تفكير تعوق ذكاءها بالفعل قدرات البشر في أداء قائمة متنامية ومتطورة من المهام العقلية المنفصلة وربما تتفوق في المستقبل القريب مظاهر وتجليات والذكاء والتي كنا دوماً نفترض أنها ستبقى في الملفات الفريدة لجنسنا البشري، كذلك ظهور النمو الرسيع والمضطرد غير المستدام في السكان والمدن واستهلاك الموارد المختلفة واستنزاف التربة السطحية ومنابع المياه الصالحة للشرب وأنواع الكائنات الحية المختلفة وتدفق التلوث البيئي والناتج الاقتصادي الذي يقاس ويتم توجيهه بواسطة مجموعة غريبة ومشوهة من المقاييس المقبولة عالمياً والتي قد تحجب عنا أو تعمينا عن رؤية العواقب السيئة والمدمرة للخيارات الخداعة للذات والتي تقوم باتخاذها وبشكل روتيني.. كذلك ظهور مجموعات ثورة علمية جديدة من التقنيات الحديثة في المجالات المختلفة البيولوجية والكميائية والحيوية والطبيعية والجينية وعلوم المواد التي تمكنها من إعادة التصميم الجزيئي لجميع المواد الصلبة وإعادة حياكة نسيج الحياة نفسها وتغيير المنظور والشكل المادي والسمات والمميزات ـ وكذلك ظهور علاقة جديدة بين القوة الإجمالية للحضارة البشرية والنظم الآيكولوجية للأرض.. وتحت تأثيرات الأزمات والتغييرات التي طرأت في عالمنا اليوم وما نتج عن العولمة، بكل أفكارها وتأثيراتها.. وخاصة العولمة الاقتصادية المتزايدة باستمرارية والتي أدت إلى ما أسموه (شركة الأرض) والتي تعتبر كياناً كلياً متكاملاً له علاقة محورية جديدة وتختلف عن الماضي مع رأس المال والعمل، والأسواق الاستهلاكية والحكومات القومية كما أدت الاتصالات الرقمية أو (الثورة الرقمية) بصورة أكثر خصوصية في جميع أنحاء العالم والإنترنت وثورات الحاسوب الى ظهور (العقل العالمي) والعقلية العالمية.. والعقل العالمي هو الذي يربط بين الأفكار والأحاسيس والثقافات لمليارات من البشر ومن هنا تقودنا البوصلة الاستراتيجية إلى نوع جديد من التفكير، والعلم الآليات والاقتصاد والآلات الذكية والروبوتات، وأجهزة الاستشعار المنتشرة في مكان وقواعد البيانات، وميزان قوى سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية وإعلامية وعلمية وحديثة وجديدة تماماً عن تلك التي كانت في الماضي أو السابق ومن هنا فنحن اليوم أمام مجموعة من المحركات للتغيير العالمي وظهور علاقة جديدة بين القوة الكلية للحضارة البشرية، وظهور الكثير من تلك المتغيرات في ميزان الحياة والذي يحتاج بدوره إلى صياغة وإعادة الاستراتيجية لترقى بمضمون الفكرة في حركة التغيير العقلي والمحوري والاستراتيجي في حركة الحياة والصناعات الإبداعية مثل ثورة تكنولوجيات (النانو) الناشئة عن المركبات المتناهية في الصغر إلى غيرها من ثورات العلم والتكنولوجيا، وخاصة تكنولوجيا الأفكار والتخطيط والعلم الحديث التقني الذي غير الكثير من معالم هذه الحياة. فتحولت الحياة بكل أبعادها وخاصة تحول الاقتصاد المحلي والإقليمي والعالمي وظهور شركة الأرض والسياسات القومية والاستراتجيات الإقليمية والنظريات العلمية، والاقتصادية التي تتطلب بدورها الآني والمستقبلي نهجاً جديداً بالكامل وفكراً جوهرياً للسياسة المتطلبة من أجل استفادة دور الإنسان في تشكيل وتطوير مستقبل الإنسانية الذي يزخر اليوم بالكثير بالغموض والأسرار والمخاوف التي باتت تظهر على سطح المنظور الحياتي الآن.