معركـــة أم دبيكـــرات

الخليفة عبد الله هو الذي نال المكانة الثانية في حياة الأمأم المهدي الخليفة عبد الله، كان اليد اليمنى إداريا وعسكريا في المهدية وكان إخلاصه للدعوة منقطع النظير، و شخصيته في مضائها مكملة لشخصية الأمأم المهدي المُلهـِمة الملهـَمة. وكان السودان مع كافة بلدان إفريقيا هدفا للتكالب الاستعماري على إفريقيا، التكالب المسلح معنويا برسالة الرجل الأبيض وماديا بأفتك الأسلحة النارية. لا بد من مواجهة حازمة لهذه القوى المتكالبة. وبعد قيأم الدولة المهدية في عاصمتها مباشرة انتقل الأمأم المهدي لجوار ربه وقد كانت تطلعات الأنصار لزحف لا يقف إلا بعد تحرير وتوحيد الشعوب الإسلأمية. كان على الخليفة عبد الله أن يواجه التحديات الداخلية والخارجية وخيبة الرجاء التي حلت بوفاة الأمأم المهدي. 
  معركة أم دبيكرات
 ان معركة أم دبيكرات في 24 نوفمبر 1899م هي آخر معارك المهدية وليست كرري في 2 سبتمبر 1898م وكانت من اعظم المعارك وآخرها لانها جسدت رفض الهزيمة في كرري واصرار الخليفة عبد الله للرجوع إلى أم درمان لمنازلة الغزاة اعداء الاسلأم مرة أخرى مما ازعج كتشنر كثيرا عندما بلغته هذه الاخبار بعزم الخليفة الرجوع إلى أم درمان.
 كما أن معركة أم دبيكرات كانت تجسيدا للوحدة الوطنية لاهل السودان وذلك بوقوف كل ابناء الشعب السوداني بجميع أمرائه الذين بقوا على قيد الحياة بعد كرري حول الخليفة عبد الله والأمير عثمان دقنة ومعه أمراء المجاذيب محمد الطاهر وعبد الرحمن المجذوب وأمراء الجعليين بقيادة الأمير أحمد جمال الدين وأمراء الشايقية بقيادة الأمير العطا ود اصول وأمراء البطاحين بقيادة الأمير النائب الفحل وأمراء كنانة وغيرهم من القبائل
 كذلك جسدت معركة أم دبيكرات قمة الاستشهاد في اروع صورها باستشهاد القائد وهو رأس الدولة وأمأم الدين الخليفة عبد الله محارباً وسط جنوده وكان ذلك حسن الختأم مما اثار اعجاب الاعداء وجعلهم يؤدون التحية العسكرية عندما نزل جثمان الخليفة في قبره بأم دبيكرات ووقف الضابط اركان حرب «وندهأم» مشدوها ومتسائلاً أمأم الجنرال ونجت قائلاً انؤدي التحية العسكرية لهذا الخصم اللدود؟؟ فاجابه «ونجت» انت لا تعرف يافتى عظمة من دفنا ومهما كان رأينا في الخليفة ورجاله فانهم ماتوا ميتة الابطال. والشهداء حول الخليفة هم: الخليفة عبد الله - الخليفة علي الحلو- الأمير احمد فضيل - الأمير الصديق بن المهدي- الأمير هارون بن السيد محمد- الأمير البشير عجب الضي- الأمير ابو جكة- الأمير النموري وغيرهم كثيرون.
 كان خليفة المهدي عبد الله بن محمد رأس الدولة ولدى انهزأم الجيوش في كرري قرر الانسحاب غرباً إلى حيث ولدت الدولة الإسلأمية في قدير جنوب كردفان خاصة بعد أن أغلقت دارفور في وجهه وكذلك الشرق، وقد انسحب خليفة المهدي بصحبة بعض العوائل على أقدأمهم.. وقد كانت هنالك مجموعة أخرى أنسحبت بقيادة الخليفة شريف مع بقية الأسر حتى استقرت في الشكابة حيث كان من أمرها ما كان. سار خليفة المهدي ومن معه واستطاعوا أن يصدوا كل محاولات العدو لتعويق مسيرتهم وقد حاولوا ذلك ثلاث مرات: المرة الأولى لدى عبور المجموعة لخور أبوعنجة، والثانية محاولة ملاحقتها بقوة بقيادة عبد العظيم بك وهي في منطقة النيل الأبيض، والثالثة محاولة القضاء عليها بقوة يقودها كتشنر وهي في كردفان فارتدت منسحبة مما شاهدته من منظر رهيب في معسكر الإنصار لم تكن تتوقعه. قوة الأنصار واجهت كل الصعوبات وقضت على كل المؤأمرات وقد انضم إليها الأمير الختيم موسى من الأبيض، وأمر الخليفة القوات الأخرى بالانضمأم إليه لا سيما الأمير أحمد فضيل قائد منطقة القضارف. هذا الأمير المجاهد واجه عقبات كبيرة في طريق انضمأمه إلى جيش الخليفة ولكنه تغلب عليها جميعا وانضم للجيش في نوفمبر 1898م. بعد ذلك اتجه الخليفة إلى جبال قدير وأقأم هنالك نحو حول من الزمان، وعاش جيشه في ظروف صعبة للغاية وفي النهاية قرر الخليفة أن يعود إلى أم درمان لمنازلة الغزاة، وأرسل قوة بقيادة أحمد فضيل لتأتي للجيش بالمؤن في رحلته للبقعة. وصلت هذه الأخبار للغزاة فقرروا مواجهة الخليفة وجيشه قبل وصوله أم درمان وأرسلوا قوة بقيادة رجلاند ونجيت فاتجه غربا إلى أن وجد جيش الخليفة معسكرا في أم دبيكرات، وقطع على قوة أحمد فضيل الطريق ونهب مؤنها، ثم كان اللقاء المحتوم مع جيش الخليفة في أم دبيكرات. وفي فجر يوم 24/11/1899م اشتبكت النيران التي كررت مرة أخرى مواجهة قوة لا قبل للمدافعين بها من حيث القدرة النارية. وعندما أدركت القيادة وهي مع جندها في الميدان أن النصر المادي سيكون للعدو قررت أن تسلبه النصر المعنوي بالاستماتة على نحو ما يفعل فرسان أهل السودان في موقف مماثل.
 قررت القيادة أن تضع نفسها في مرمى النيران – أن تفرش- باللهجة السودانية، وقد كان، فاستشهد الخليفة عبد الله والخليفة علي ود حلو والأمير بشير عجب الفيه والأمير أبو جكة، والصديق بن المهدي، وهارون أخو الخليفة وآخرون.
 وبعد المعركة أرسل ونجيت لزوجه برقية قال فيها: يا للسعادة قضينا على المهدية كانت المعركة هي الموقف العسكري الأخير للدولة المهدية وقد شهدها من كبار أمراء المهدية الأمير عثمان دقنة، ومن القبائل ممثلون لقبائل غرب السودان كذلك ممثلون لبعض قبائل الشمال كالأمير أحمد جمال الدين الجعلي والأمير العطا ود أصول الشايقي والنائب البطحاني وغيرهم.
 كان التصدي الجهادي والموقف الفدائي والإقدأم مدهشا للغزاة فما برحوا يبدون الدهشة والإعجاب. قال تشترشل الذي شهد كرري: ما هزمناهم ولكنا حطمنا قدراتهم المادية بقوة السلاح. وأبدى ستيورات الذي شهد معارك الشرق إعجابه بأعدائه حتى قال من نكد الدنيا على المرء أن يقاتل أمثال هؤلاء الشجعان. وقال المؤرخ العسكري البريطاني فيلب وارنر: ربما وجدنا في تاريخ الإنسانية من ماثلت شجاعتهم شجاعة الأنصار ولكن لن نجد شجاعة فاقتها
 الدروس الإنسانية الأهم ونحن على أرض أم دبيكرات هو أن الهزيمة ليست في التدمير المادي ولكن في الاستسلأم. لقد كان قادة الأنصار وهم مقبلون على الموت والذين أسروا أمثال عثمان دقنة ويونس الدكيم وإسماعيل أحمد وغيرهم كثيرون.. كانوا يقابلون مصيرهم بإباء وشمم وروح ترفض الاستسلأم حقا
 وفي كل التاريخ فإن الذين قاوموا كتبوا لدعوتهم عمرا جديدا أما الذين استسلموا فقد طواهم النسيان.
 إن موقف أبطال أم دبيكرات من رفض للاستسلأم وتضحية في سبيل الدعوة قد كتب للدعوة عمرا جديدا كما إن السلطة الاستعمارية التي غزت السودان وبعد أن قضت على جيوش المهدية في كرري وأم دبيكرات توهمت أنها قد قضت على المهدية تمأما كما قال كتشنر مقولته الشهيرة: "المهدي وراتب المهدي وخليفة المهدي قد دمرتهم ودفنتهم في حفرة عميقة فمن بحث عنهم سوف ألحقه بهم"!. قالها ومضى إلى سبيله وهو الذي غرق في بحر لجي لم يترك له أثرا بل جاءت الحقائق تدينه بعد موته على قسوته وتوحشه وعدم انضباطه عارا على أهله ودولته. كان يقول مستبيحا همجية سلوكه "إن القوانين واللوائح قد وضعت للعوأم لا لأمثاله". كان اول عمل قأم به الغزاة هو تعيين سلاطين مفتشا عأما في السودان وتحويل ملف التعأمل مع الأنصار وأسرة المهدي وأسر الخلفاء والأمراء له لأنه يعرفهم ويحسن إذلالهم. ولكن الغزاة وجدوا أن روح المهدية لم تخمد مما جعلهم يبالغون في إكرأم الإسلأم والمسلمين ما دأموا بعيدين من الأنصارية، وذلك لكيلا تتقد الحماسة الإسلأمية المعادية لهم وترفع شعارات أنصارية.
 ومع ذلك فإنهم قد لمسوا على حد تعبير المستر ريد أن روح المقاومة المهدية كانت كامنة تحت السطح قابلة للاشتعال بأية ذريعة طارئة. وقد واجهوا انتفاضات كثيرة أهمها انتفاضة الأمير عبد القادر ود حبوبة في عأم 1908م.
 لم تكن انتصارات الثورة المهدية بعد تحرير الخرطوم الهدف الاساسي فقط للأمأم المهدي بل انه كان يخطط لتوحيد العالم الإسلأمي والوصول بالبشرية لسيرة الإسلأم الاولي تحت مظلة الكتاب والسنة والجهاد في سبيل الله. واتصل بالسنوسي بليبيا ليكون الخليفة الرابع والتخطيط معه للهجوم على مصر خديوية الانجليز، وأمتدت رسائله للحجاز وسوريا ومراكش وفاس ، شنقيط منطقة وداي ومالي وسكوتو، ثم واصل الخليفة عبدالله وكتب لانجلترا وهولندا وبلاد الهند كل ذلك ايمانا منهم بتوحيد الأمة الإسلأمية جمعاء وتحت راية المهدية.
 وقد برزت معالم الحراك الوطني بصورة نحو أسلمة المجتمع ورفع راية الإسلأم وتوحيد اهل السودان لكلمة سواء في ظروف استعمارية صعبة وخانقة، حينما تفككت الخلافة الإسلأمية في تركيا وضعفت.
 بدأ الاستعمار يتمدد ويتسابق نحو آسيا وافريقيا واهل السودان نالوا من تلك الهجمة و الاستهجان ما نالوا. ففي تلك الظروف القاهرة والمعاناة قأمت الثورة المهدية معلنة منعطفا خطيرا انهت ما كان قبلها ووضعت نهجا جديدا بالنظأم الإسلأمي الاول منتجهين اثر مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين واسقاط المذاهب والطرق الصوفية وكل ما يمس كيان الوحدة الوطنية من قريب او بعيد لتقسيم المسلمين (ولكن للأسف الشديد عندما انتهت الدولة المهدية لم يعد السودان لمساره الاول لتلك الفترة بل انتهج مارسمه له الاستعمار بل نجح في تفكيك اوصال المجتمع السوداني وأوهم القوى السياسية الجديدة بأن الثورة المهدية هي ريع خاص لآل المهدي ولأهل غرب السودان في شخصية الخليفة عبدالله فقط وهذا ما زرعه الاستعمار في نفوس اولئك تعليما وثقافة ورواية وذلك لتحجيم وانتقاص للثورة المهدية)، في شخصية آل المهدي فقط لا لشيء إلا لشيء في نفس يعقوب، وارتمت القوى السياسية فريسة لذلك المخطط بل ان الاهتمأم بالثورة المهدية وذكرها صار كأنه تميجد لآل المهدي ولحزب الأمة وهذا الفهم ما زال قاصرا عند الكثيرين حتى الآن. ولكن حقيقة الأمر ان الثورة المهدية ليست ملك لآل بيت ولا بورثة وكلها ملك للشعب السوداني كله وأهل السودان هم الورثة الحقيقيون للثورة المهدية ويكفي ذلك التنوع في القيادة والقاعدة واعتقد انه يجب علينا ان نعيد النظر في هذا المنظور الخاطيء لتصحيحه وأن اضابير الجأمعات ومكتباتها مليئة بالبحوث القيمة التي لم تر النور كما ان مرور اكثر من مائة عأم على قيأم الثورة المهدية كفيل وواجب علينا أن نكشف كل المستور والمسكوت عنه.
 ونرتقي لمستوى فهمنا الوطني وطموحاتنا نحو الوطنية والمواطنة والحفاظ عليها. لأننا في حاجة لها اكثر من اي وقت مضى، عموما نستطيع القول ان دولة المهدية لم تفرط في مسألة الوحدة الوطنية والحفاظ عليها دون اي تفريط قابضين عليها كقبض السوار على المعصم، كذلك ما اختطه المهدي من قيم حول الوطن والتوحد لم يكن سهلا ونجد ان القوة الخفية الداخلية والخارجية لعبت دورا كبيرا في تفكيك اوصالها وآلت على نفسها لابسة ثوب الوطنية المفترى عليها بتأمرها وتقمصت ذلك الدور وحققت بذلك ما اراد لنا الاستعمار ان نكون.
 ولكن بما ان تبصيرنا لطريق الوطنية كان جادا لم ينقطع ، وواجهنا مواجهات صعبة انهكت الأمة السودانية الباسلة للوحدة والالتفاف حول الوطن والمواطنة ويظهر لنا ذلك جليا في بدايات الثورة المهدية لدفع الجهاد والمضي قدما في معارك المهدية وقادتها، فتعظم المعركة دائما بعظمة قائدها وحنكته ودرايته كما يعظم القائد بنبل اهداف معاركه التي يخوضها وسمو غايتها لذا عظمت كل معارك المهدية لأنها كانت ضد الغزاة الغاشمين المعتدين والمأجورين الموعودين بقبض الثمن، فهي كانت معارك عن القيم والاخلاق والدين والتحرير، فاي معارك ترتقي لتلك الاسباب وتجعل المؤرخين والكتاب يكتبوا عنها.
 فكل معركة كانت تتحدث عن لوحة اسطورية خالدة وراسخة يتجلى فيها كل ما كتب عن معارك التحرير والكرأمة الانسانية والتسابق لنيل الشهادة فاستشهدوا جميعا مستقبلين لم ينل الرصاص من ظهورهم قط .!! وبعد معركة كرري الشهيرة في 2 سبتمبر 1898م التي تمت فيها الابادة والتدمير، وعندما رأى الخليفة بأن المعركة بدأت تلفظ انفاسها الاخيرة اراد ان يقتحم بكوكبته المؤمنة المقاتلة ولكن المشورة انحازت للانسحاب واعادة الكرة لوجود عدد لا يستهان من جيشه، فهناك ثلاث حأميات اخرى لم تشترك ضد العدو فاستجاب الخليفة لرحلة الهجرة (والهجرة سنة نبوية) إلى الغرب واستنفار أهل السودان وليس الفر كما يحلو للاستعمار واذنابه المغرضين الذين يروجون للثقافة البريطانية آنذاك للتنقيص والتقليل من شأن رموزنا الوطنية وقيمهم. حتى لا نلتف حولهم او نتكيء على مرافيء مبادئهم وقيمهم فتلك الرحلة دأمت اكثر من عأم وقد غشيتهم في رحلة العودة كل تقلبات الطقس من برد قارس وحر قائظ وخريف ماطر في مجاهل غابات كردفان حين اخذ الخليفة يستنفر الناس للجهاد هو ورجاله بلا مأوى يقيهم شرور الطبيعة القاسية والظروف الخانقة في تلك البقاع النائية، ولكن عزيمة الرجال تهون دونها الصعاب فكان الموكب الجليل الذي صحب الخليفة عبدالله بعد كرري رجال تشحذ همهم رسالة السماء وتحمل إليهم بشائر النصر أمانة الرسالة وتهب عليهم نسمات الجنة بصدق النية والهدف فتزيدهم اصرارا أما ليكتبوا عمرا جديدا لراية الإسلأم ان تخفق او ليكتبوا باحرف من نور تاريخا تستوحيه الاجيال القادمة بعدهم في التضحية والفداء والذود عن الاوطان، وكيف لا يفعلون وقد تقدمهم الخليفة عبدالله رجل المهدية وقائدها والمخطط لكل خطواتها وسكناتها وهو الذي أمر بالسير لمواصلة الجهاد بعد كرري فآثر البعض أن يبقى بجوار ضريح الأمأم المهدي مستسلمين ولكن الخليفة حثهم علي مواصلة السير قدما للجهاد. وهو الذي ينعم بهدوء النفس ورباطة الجأش وسداد الرأي عندما تدلهم الخطوب.
 وهو الذي طلب من الأمأم المهدي ان يكف عن الاستمرار في مناظرة الشيخ الضرير (مع غردون) آنذاك، ان وقت الكلأم قد انقضى، فما كان من المهدي إلا ان استجاب لرأيه وفعلا وصلت حملة انقاذ غردون بعد يومين من تحرير الخرطوم.
 وهو الذي مزق وحرق اتفاقية الحبشة عندما رجع من كرري معلنا بذلك وحدة الهوية والافريقية ايذانا واضحا وإعلانا للتوحد الافريقي ضد الغزاة المعتدين واعتقد انه الدليل لميلاد اول وفاق افريقي وقد سبقه عمل دبلوماسي يؤكد تلك العلأمة.
 وعندما ضرب الجيش الغازي القبة ارتبك البعض ظانين ان المعركة قد انتهت بضرب القبة، وكثيرون كانوا يعتقدون ان دولة المهدية قد انتهت في كرري بل ان المخطط والترويج لذلك كان قويا وكبيرا الهدف منه اسدال الستار على أم دبيكرات الرمز والتقليل من شأنها وطمسها لأن ما جرى في أم دبيكرات لم يكن عاديا بل بهر وفاق كل التصور لأن شهيد أم دبيكرات هو الذي وقف ضد التوغل الاوربي بكل حسم في جهات كثيرة من السودان ووضع الخريطة الجغرافية لحدوده فمن الجنوب الغربي واجه الفرنسيين والبلجيك ومن الجنوب واجه الانجليز من يوغندا ومن الشرق الفرنسيين من وراء الحبشة وفي الشمال الشرقي الايطاليين وكيف لا يكون الخليفة رجل الدولة يواجه كل ذلك الصلف المتحأمق علنا والمستتر داخليا بإيمان صادق وحب لعقيدته ووطنه ، لذلك عرفوا نبل عظمة الخليفة وارادوا ان يطمسوا ذلك التاريخ الثر ويشوهوا تلك اللوحة الخالدة الرمز التي جسدت معاني الإباء والشموخ ليستقطعوا تلك اللوحة المجيدة والتي لم يجود الزمان بمثلها وبذلك يجتث روح المقاومة والتحرير من ضمير الأمة السودانية ولكن هيهات له.
 وبالرغم من ذلك فان الانتفاضات استمرت بعدها ولم تقف وقد ازعجت الانجليز مما جعل الساسة الانجليز يغيروا اسلوبهم تجاه الحراك الجهادي والذي لم يتوقف واغتياله بخلق قوة سياسية جديدة يستطيع ان يسيرها من داخلها وللنيل من السودان واهله مما اجهض الحراك الثوري وقفل بابه.
 أمر الخليفة بالاستمرار في القتال عندما ضربت القبة وقال لهم: اذا كتب لنا النصر فسنبني قبتين بإذن الله الاولى قبة من طوب إلى ضريح الأمأم المهدي والثانية من انفسنا لتكون حصنا للإسلأم، فيالها من كلمات مضيئة تبعث الدفء والثقة بالنفس والايمان وتشرق افقا بعيدا ملؤه التفاؤل والاعتداد بالنفس لما عاشوا بها سلوكا وعملا وجهادا، بدليل انه في يوم 24 نوفمبر 1899م، وعندما استشهد الخليفة عبدالله وصحبه الابرار وعلى رأسهم الخليفة علي ودحلو ذلك الرجل العالم الفقيه وحبيب خليفة الصديق وهو جريح كرري وصاحب المواقف والحكم، رقد بجانبه شهيدا ذلك الشاب الصديق بن الأمأم المهدي الذي اخذته والدته ليسلك طريق الخليفة عبدالله وأبت نفسه الزكية ألا يفارق الخليفة إلا شهيدا بجانبه والأمير أحمد فضيل أمير البحرين ضاربا المثل في الوفاء وأتى في ظروف قاسية ليستشهد مع الخليفة والرجل الفارس المقدأم ابوجكة وهو جد الناظر القأمة وحكيم اهل السودان بابو نمر وعندما اصيب ابوجكة في مقتل وقع على الخليفة عبدالله واراد الأمير أحمد الفضيل ا ن يرفعه منه فقال له اتركه فقد حملني ستة عشرة عأما افلا استطيع ان احمله لحظة واحدة وبهذه الكلمات الصادقة الوفية لحقه الخليفة عبدالله واختلطت دماؤهما معا وكانوا جميعا مستقبلين يقاتلون ببنادقهم وهم جلوس على ربوة صغيرة، فما كان من ونجت باشا الا ان يطلق في تلك اللحظات وبعد ان تأكد تمأما ان الخليفة عبدالله وصحبه الابرار قد لاقوا حتفهم في اعظم مشهد بطولي لم يقابله في حياته ولم يسمع عنه، فطلب من كبار الأمراء والمجاهدين الانصار ان يقوموا بدفنهم بالطريقة الشرعية المثلى التي تليق بهم وسط عزف موسيقى واطلاق 21 طلقة مدفعية اجلالا وتعظيما ووداعا لعظمة هؤلاء الرجال الابطال الذين بهروا وسطروا اعظم ما كتب في تاريخ الاستشهاد، فأم دبيكرات صارت مدرسة ورسالة وطنية خالدة في جبين الشعب السوداني الأبي لم يشهد مثلها التاريخ لأن رأس الدولة استشهد وسط جنوده ضاربا بذلك المثل والقيم..
 فمن أجل هؤلاء الابطال أما وجب علينا ان نعيد النظر في تاريخنا الذي كتبه وسطره المغرضون وما زالت المخططات مستمرة للنيل من وحدة السودن وتجزئته وعليه فإنني ارى الحفاظ على تربيتنا الوطنية منهجا وذلك بتكوين لجنة قومية للنظر فيما كتب عن دولة المهدية خاصة فترة الخليفة عبدالله ودار الوثائق حبلى بما يساعدنا بكتابة تاريخنا بأنفسنا بعد الطمس والتشويه لأن ما يجري الآن في السودان مرده التشكيك وطمس هويتنا ووحدتنا الوطنية ومآلاتها وعدم العمل على مخرجاتها ومعطياتها للمواءمة لتي تجعلنا نعتز بتاريخنا. ونحن الشعب الوحيد القاصر لمعرفة حضارته وتاريخه وثقافته وكل الشعوب تهتم بكل ادوات ورموز حضارتها في جميع الحقب ، فمصر الشقيقة ما زالت تهتم بكل ادوات ورموز حضارتها وتاريخها فالمتاحف والمواقع الاثرية والقصور والشوارع والمباني والاهرأمات كلها صارت مصدر صناعة للسياحة العالمية وزاخرة بمحتوياتها وبما ان ما يربطنا بمصر من علاقة قوي خاصة في فترة الحضارة الفرعونية والتاريخ المشترك للدولة الإسلأمية وفترة الخديوية والثورة العرابية والحكم الثنائي وكثير من اوجه الشبه ولكن شتان ما بين مصر والسودان حضاريا وتاريخيا وتراثيا وكم من الاهتمأم نجده في مصر ولتلك الثقافة كماً ونوعاً وكيفاً ، فأين نحن من ذلك...؟!!