مواصلة نشر مذكرات الرئيس عبود لأول مرة

قصة الثورة..

بقلم الرئيس الفريق عبود (2-2)

* لم تكن الحراسة التي فرضناها على منازل السياسيين بسبب خوفنا منهم، بل كانت لحمايتهم من غضب الشعب

* لقد كانت الـ24 ساعة قبل اندلاع الثورة هي من أدق اللحظات التي مرت على حياتي

* كانت الخوذات على رؤوس الجنود تعطيك فكرة أننا مقدمون على حرب حقيقية

مقدمة:

إن المذكرات لا تكتب بالمداد، إنما تكتب دائماً بالدم.. صحيح إننا نضعها هنا على الورق ولكن قبل أن نكتبها نعيشها بدمائنا وأرواحنا وهذه هي مذكراتي عن ثورة السودان، ثورة 17 نوفمبر 1958.

الفريق إبراهيم عبود

من مشرف الصفحة:

نواصل في النسخة الثانية من مذكرات الرئيس الفريق إبراهيم عبود ما انقطع من تدوين سعادته للحظات الحاسمة التي سبقت قيام ثورة نوفمبر 1958 (الثورة البيضاء) كما يحلو له أن يسميها استناداً على كونها نُفذت لإنقاذ البلاد أولاً من التردي السياسي المريع الذي كان يهدد أمن واستقرار البلاد، وثانياً كونها (الثورة) حدثت دون إراقة قطرة دم واحدة من دماء الشعب أو قواته المسلحة، فدعونا نتابع هذه الذكريات التي تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ القوات المسلحة، لا سيما وأن التدوين لها كان بقلم السيد القائد العام لها ورئيس البلاد فيما بعد نجاح الثورة.

كنا نريد حمايتهم

وقررنا في هذا الاجتماع أن نضع حراسة على منازل السياسيين القدامى يوم الانقلاب، وأن نمنعهم من مغادرة دورهم، ولم تكن هذه الحراسة لأننا نخافهم، بل كانت لحمايتهم من غضب الشعب، كانت الجماهير ستفتك بهم إن رأتهم يوم الثورة، وكنا نريدها ثورة بيضاء من غير دماء، إننا لا نريد القتل، بل نريد إصلاح الأمور، نريد رفاهية الشعب فقط، وبدأنا نحدد الثورة بالأسماء والأرقام، فرقة كذا بقيادة فلان، سنتحرك الى نقطة معينة في ساعة محددة، وفرقة أخرى تتولى حراسة المنشآت، وهكذا لم يكن أحد يعلم بتفاصيل الخطة إلا نحن قادة الثورة الـ13 ضابطاً، كنا وحدنا الذين نعرف كل شيء ولم يكن أي ضابط في الجيش يعلم شيئاً، ولم يكن هنالك أحد في الجيش لديه معلومة على الإطلاق، كان على كل واحد منهم أن ينفذ الأوامر التي صدرت اليه، والضباط لهم ثقة عمياء بقائد الجيش، وانتهى إعداد الخطة في ثلاثة أسابيع كنا نعد ونضيف ونراجع ونجد احتمالات، ثم نعد طريقة مواجهتها وكنا نناقش الخطة بدقة لتلافي أي احتمالات سالبة، ثم انتهى إعداد الخطة وحان الوقت لتنفيذها، وكان أمامنا أسبوعان فقط للتنفيذ.

وكان أمامنا عمل كبير كان يجب أن يتم نقل القوات وبسرعة، ويجب أن يكون كل قائد في منطقته التي سيشرف منها على الانقلاب حتى يمكنه في ساعة الصفر أن يبدأ في التحرك، قادة الجنوب يجب أن يكونوا في مراكزهم قبل حدوث الانقلاب وأن تكون قواتهم كاملة السلاح ومستعدة لأي طارئ، قادة المنطقة الشمالية أيضاً يجب أن يكونوا في مراكزهم، ثم الخرطوم العاصمة التي يجب أن تتركز فيها قوات كبيرة لأنها أهم نقطة في الانقلاب

نقل الجنود

وبدأنا ننقل الفرق بهدوء من الجنوب والشمال الى الخرطوم، إنني لن أسجل هنا عدد القوات التي استعملناها في الانقلاب لأن هذا سر عسكري ولكني أسجل في مذكراتي أنه قام بتنفيذ الانقلاب في شوارع الخرطوم أربعة آلاف عسكري وأربعون دبابة وسيارة مصفحة، وأن الاحتياطي الذي كان موجوداً داخل الثكنات كان احتياطياً ضخما ويكفي لمواجهة أي شيء.

وفي الأسبوع الأخير قبل الانقلاب كان الموقف يغلي، الأعمال لا تتم عامة، لقد كنت استمع الى شكاوى الشعب وصدري يغلي، كنت أتمنى أن أصرخ فيهم أننا سننقذكم، أننا لن نترككم، أن الجيش هو الشعب، والشعب هو الجيش، ولكن القسم الذي أديته على المصحف وكتمان السر لنجاح الانقلاب كان يمنعني من الصراخ.

كنت أريد أن أقول وما زلت أريد أن أقول للناس: إنني لا أطمع في حكم، لا أريد مركزاً، كل ما أريده هو سعادة شعب ونهضة أمة، وكنت أنظر حولي للبلاد التي تعيش نفس ظروفنا فأجد أن الانقلابات العسكرية أفادتها وأنها تقدمت بها الى الأمام بخطوات سريعة عاجلة، في مصر حدث تقدم سريع بعد الانقلاب، وكذلك في العراق وكان إيماني بالثورة يملأ دمي ويريد أن يخرج ليخبر كل مواطن بما يحدث.

تعطيل الانقلاب 24 ساعة

وبدأ نقل الفرق الى الخرطوم، وهنا حدثت المفاجأة التي عطلت الانقلاب 24 ساعة، لقد استدعيت بعض الفرق من القيادة الوسطى والقيادة الشرقية لتعزيز حامية الخرطوم، ولكن هذه الفرق ولأسباب خاصة بالنقل والطرق تأخرت 8 ساعات، وقررنا تأجيل الانقلاب 24 ساعة على أن يتم في 17 بدلاً عن 16 نوفمبر بسبب تأخر الفرق اللازمة من أجله.

وكانت الساعات تمر بطيئة قبل الانقلاب ولكني كنت سعيداً، كنت أشعر كإنسان سيرد الجميل لشعبه وأمته، وأحس أنني أقوم بالواجب الذي أقسمت من أول يوم على أن أؤديه، لم يكن الوضع هو قلب حكومة شرعية، بل كان الوضع هو إحضار الحكومة التي سيرضى عنها الشعب، وبدأ كل شيء يسير في طريقه المرسوم، وقررت أن أترك منزلي قبل 24 ساعة وأن آخذ زوجتي وأولادي وأذهب بهم الى والد زوجتي، إنني لم أكن أعرف ماذا سيحدث، ولم يكن يهمني ماذا سيحدث إنما كل الذي كنت أهتم به أن يكونوا بعيدين عن كل شيء. وهنا أقف قليلاً من سرد الأحداث المتراصة التي تريد أن تسجل لأقول إن عائلتي هي أغلى شيء في وجودي، ولكن في هذه اللحظة تلاشى كل شيء ولم يكن هناك سوى كلمة واحدة مقدسة إنها إنقاذ الوطن.

الله معنا

واستطعت أن أقنع عائلتي بالرحيل حاولوا معرفة السر فرفضت، فقلت أنني مشغول، افتتاح البرلمان وحالة الطوارئ ولا أحد يعرف ماذا سيحدث، قالوا لقد افتتح البرلمان من قبل ذلك عدة مرات ولم تتخذ إجراءات مثل هذه التي تتخذها الآن، قلت إن الحالة هذه المرة أقسى من المرات السابقة وأخيراً أقنعتهم بأن يأخذوا ملابسهم ويذهبوا عند والد زوجتي.. ووضعت الخوذة على رأسي وقلت لقد بدأ العمل، إن الله معنا، إنه لا يريد لهذا الشعب الضيم، يريد أن ينقذه لأننا شعب طيب نقي صريح، وحتى هذه اللحظة قبل الانقلاب بـ24 ساعة لم تكن ساعة الصفر قد حددت، كان اليوم محدداً الا أنه تأجل 24 ساعة ولكن ساعة الصفر نفسها لم تكن محددة وجلسنا نتداول في ساعة الصفر وكان الضباط والجنود في ثكناتهم بملابس الميدان والأسلحة، والسبب الظاهر طبعاً البرلمان، لقد تحولت الثكنات الهادئة الى معسكر حربي كبير وجلسنا نفكر هل نجعل ساعة الصفر في الرابعة صباحاً أو نجعلها منتصف الليل، وبدأنا نحسب الوقت الذي ستستغرقه العمليات الحربية، ثم قررنا أن نجعلها الثانية بعد منتصف الليل، أي يبدأ الجنود التحرك من ثكناتهم الى المواقع المحددة في تمام الثانية تماماً ويتم كل شيء قبل الرابعة والنصف تماماً، لقد كانت العمليات سريعة ومحددة وكل واحد محدد له دوره بدقة، الأماكن التي سيحرسونها، طريقة الحراسة، عدد القوات كل ذلك كان مسجلاً دقيقة بدقيقة.

آخر 24 ساعة قبل الانقلاب 

وهنا أترك المذكرات الـ24 ساعة الأخيرة التي سبقت الانقلاب، أنها آخر صفحة دونتها، آخر ما خطه قلمي فيها، أما بعد ذلك فقد منعني العمل المتواصل من تسجيل ما حدث ويوماً بعد أن تتحسن الأحوال سأجلس الى مذكراتي مرة أخرى لأدون فيها بالحبر ما تمت كتابته بالدماء على صفحة الحياة.

لقد كانت الـ24 ساعة قبل الثورة هي من أدق اللحظات التي مرت على حياتي، لم أكن أخاف أن يكتشف تدبير الثورة. لكني كنت أخشى أن يحدث أي شيء من أي فرد  غير مقدر للمسؤولية، وجلست وكان معي عدد من قادة الثورة، أما الباقون فكانوا في مراكزهم في القيادات الأخرى بانتظار تنفيذ الأوامر، وبدأنا نعد في خطابات الإقالة لأعضاء مجلس السيادة والوزراء، كنا نريد أن نكتبها على الآلة الكاتبة ونضعها في مظروف أنيق ونعطيها لهم ولكننا أردنا المحافظة على السرية التامة فيها، ولذلك قررنا كتابتها بخط اليد.

خطابات الإقالة للحكومات السابقة

وفكرنا أن تصدر الخطابات باسم مجلس الثورة وعدلنا عن ذلك لأن مجلس الثورة لم يكن يولد رسمياً، قررنا أن تصدر باسم قيادة القوات المسلحة، وفي دقائق كنا قد أعددنا صيغ الخطاب، لقد أردنا أن تكون صيغة مهذبة، وهذا نصها:

إنها تبدأ بالاسم، ثم تخطركم القيادة العامة للقوات المسلحة بالاستغناء عن خدماتكم في الوزارة أو مجلس السيادة (حسب مركز المكتوب في الخطاب).. وهي تشكركم على ما بذلتموه من خدمات، والإمضاء، قائد القوات المسلحة الفريق إبراهيم عبود.

وبدأت أكتب الخطابات لأعضاء مجلس السيادة الثلاثة ورئيس الوزراء، كنت كلما انتهيت من كتابة خطاب أضعه في ظرف، ثم بختم القيادة العامة للقوات المسلحة ثم يغلق بالشمع الأحمر، وأعددت 15 خطاباً للوزراء وأعضاء مجلس السيادة.

وانتهى إعداد الخطابات لتبدأ مرحلة أخرى وهي مرحلة اختيار الضباط الذين سيكلفون بمهمة توصيل خطابات الإقالة، لقد قررنا أن يحمل الخطابات ضابط كبير حتى يستطيع التصرف بسرعة وحتى يكون إخطاره لائقاً بخطورة المهمة التي يقوم بها واخترنا ضابطين برتبة القائم مقام، وكانت الفكرة الأولى أن يتم تسليم الخطابات بعد أن يتم إعلان نبأ الانقلاب رسمياً ولكننا قررنا أنه يجب إقالة الحكومة القديمة أولاً قبل أن تعلن الحكومة الجديدة، ولذلك تقرر أن يتم تسليم الخطابات لأعضاء مجلس السيادة والوزراء ورئيس الوزراء قبل الساعة السادسة والنصف صباحاً وهو الوقت الذي حددته لإذاعة بياني الأول على الشعب السوداني من الإذاعة بأمدرمان، أنها أول مرة أدخل فيها الى الإذاعة وأتحدث فيها بالميكرفون الى الجماهير، لقد كنت قبل ذلك أذيع رسائل للضباط والجنود ولكنها كانت تسجل في مكتبي على شريط ثم تذاع، ولم أدخل الإذاعة أبداً قبل يوم الثورة، وكانت الساعة قد بلغت العاشرة مساء، كل شئ قد تم إعداده وباقي على البدء في الانقلاب 4 ساعات كاملة.

العمل بسرعة

وانتهزت هذه الفرصة للاتصال بقيادات الجيش في مختلف أنحاء السودان لمعرفة مدى استعدادها للقيام بالعمل، وجدتها كلها مستعدة للعمل بسرعة، لقد أعد كل قائد جنوده، أعطاهم السلاح وألبسهم ملابس الميدان ووقفوا على استعداد للتحرك في الدقيقة التي تصدر لهم فيها الأوامر، والدقيقة هي ساعة الصفر الساعة الثالثة صباحاً، وقررنا أن يتم الاتصال بين وحدات الجيش خلال فترة تنفيذ الانقلاب باللاسلكي، أن التلفونات ستقطع وأن اللاسلكي أضمن وأسرع الطرق في الاتصال والاحتفاظ بسرية الاتصالات. وبدأت الاتصالات السرية التجريبية وتبين أن جميع وحدات اللاسلكي ستكون مستعدة للعمل ساعة الصفر وأنها ستبقى متصلة ببعضها طوال فترة الانقلاب لتكون شبكة لاسلكية تصل جميع الوحدات بعضها ببعض.

ساعة الصفر

كانت الساعة منتصف الليل وقررت أن أخرج الى الخرطوم لأستطلع الأحوال بنفسي حتى أعرف هل تسرب خبر الانقلاب أم لا، أن تسرب الخبر قد يؤدي الى نتائج لا نريدها أن تحدث، ووجدت شوارع الخرطوم هادئة، المرور فيها قليل كما هو الحال دائماً خلال هذه الفترة من الليل، الناس الباقون في الشارع يسرعون في العودة الى منازلهم، المحال العامة والمقاهي بدأت تغلق أبوابها، لا أحد يحس أبداً بأن انقلاباً سيحدث بعد ساعتين وأن عهداً قديماً سيزول وعهداً جديداً سيبدأ.

وظللت نصف ساعة أجول في شوارع الخرطوم الهادئة ثم عدت الى الثكنات وبدأت العمل فوراً، اجتمعنا لآخر مرة وراجعنا الخطة النهائية للانقلاب خطوة بخطوة، ثم بدأت الأوامر التمهيدية للقوات، الاستعداد للتحرك، وأصبحت المعسكرات كخلايا النحل، الجنود اصطفوا بجانب اللوريات التي ستحملهم الى أماكنهم المحددة بالخرطوم، أنهم يلبسون الخوذات ويحملون السلاح، جنود الدبابات والسيارات المصفحة وقفوا بجانب آلياتهم، الضباط على استعداد للتحرك في أي لحظة، ونزلت أنا الى الثكنات وطفت على الجنود بسيارة جيب، لقد كان كل واحد منهم يحمل بطانيته وكأنه ذاهب الى ميدان القتال، البنادق مليئة بالرصاص، خزانات الرصاص الاحتياطي مملؤة وموضوعة في جيوب الجنود، الخوذات على الرؤوس تعطيك فكرة أننا مقدمون على حرب حقيقية، كان كل شئ قد تم إعداده ببراعة والخطة ستنفذ كما وضعت تماماً بدون أدنى تغير.

وجاءت ساعة الصفر، الساعة الثانية صباحاً وصدرت الأوامر للضباط والجنود بالتحرك فوراً، سلمت الأوامر لكل ضابط، المنطقة التي سيذهب إليها، المكان الذي سيعسكر فيه، ماذا سيفعل إذا واجهته ظروف مفاجئة، كان كل شئ معداً، وأمام الضباط الأوامر للتصرف في مواجهة كل الاحتمالات، وبدأت الطوابير الضخمة تخرج من مبنى وزارة الدفاع، أنهم الجنود يحملون السلاح، لقد بدأت الثورة.

الفريق إبراهيم عبود.