صحيفة القوات المسلحة تنفرد بنشر مذكرات الرئيس عبود لاول مرة

قصة الثوة ..

بقلم الرئيس الفريق عبود ( 1-2)

* وضعت الخوزة علي رأسي وقلت   : لقد بدأ العمل

* لم تكن  الثورة لقلب حكومة بل لاحضار حكومة يرضي عنها الشعب

* إن الله يريد انقاذنالاننا شعب تقي و صبور .

* انني لا اكتب في مذكراتي الاسماء لانني لا اريد ان اهاجم الاشخاص .الفريق عبود

* الخدمات التي يؤديها الجندي لوطنه لا تقل بل وتزيد في كثير من الاحيان  عن الخدمات التي يؤديها وزير او حاكم .

مقدمة :

إن المذكرات لا تكتب بالمداد ، انما تكتب دائماً بالدم .. صحيح اننا نضعها هنا علي الورق ولكن قبل ان نكتبها نعيشها بدمائنا وارواحنا وهذه هي مذكراتي عن ثورة السودان ، ثورة 17 نوفمبر 1958.

الفريق ابراهيم عبود

انها بلا مقدمات مثيرة ، وبلا طلاء ، انها الحقائق وحدها لانني تعودت ان اعيش حياتي علي الحقيقة فقط ، والا الجأ الي الخيال .

لقد بدأت اراقب الموقف  في السودان بعد الاستقلال مباشرة وليس معني هذا انني كنت بعيداً عنه قبل الاستقلال  ، لقد كنت اعيش فيه ، ولكن الهدف الاكبر لنا جميعاً كان الحصول علي استقلال السودان ، وعندما تحقق الهدف الاكبر بدأت الاحلام الداخلية تتحرك من الحيز الضيق الذي كانت تشغله الي حيز اكبر واقوي ..

وبدأ الحكم في السودان ، حكم سوداني صحيح ، احزاب وبرلمان ودستور ومجلس سيادة ، كل هذا كان علي الورق ، وكان يبشر بمستقبل كبير وانتظرنا التنفيذ ، انتظرنا الحلم الذي رسمناه علي الورق ، ليصبح حقيقة واقعة ، لنشاهد كيف سيعيش.

انني أوُمن بالديمقراطية الصحيحة ، وحتي الان والمسألة كلها علي الورق كانت تبدو ديمقراطية سليمة صحيحة ولكن المهم التنفيذ .

وبدأ التنفيذ ، ومرت الاشهر الاولي من قيام أول وزارة سودانية لتحكم  السودان فماذا وجدت ؟

وجدت ان الديمقراطية قد انقلبت الي حزبية ، كل حزب يحاول جمع انصاره ويجعلهم مقتنعون بما يقوله  الحزب فقط ، الحزب المعارض يقف ضد اي مشروع حتي ولو كان الهدف منه صالح البلاد ، لا احد ينظر الي هذا ، المهم مناورات حزبية لاسقاط الوزارة باي ثمن ، ومهمة الوزارة هي البقاء في الحكم .

 بداية الثورة

ووسط هذا الضجيج ضاعت مصلحة كبيرة ، انها مصلحة شعب السودان  هذا الشعب الذي يريد انساناً يفكر فيه وحده ، في مصلحته وفي رفاهيته وفي العمل المثمر من اجله ، ان هذا مايريده الشعب ، لا يريد مناورات ومناقشات وحزبيات ولكن يريد عملاً من اجله فقط وفي سبيل سعادته وحده انه يريد ان يحس ان له كياناً وان الحاكم ينظر اليه ، لا يسرقه بوعود براقة اثناء الانتخابات ثم ينسي هذه الوعود بعد الانتخابات ، وبدأت اتحدث عن الفكرة و اناقشها مع زملائي الضباط وكانت هذه المناقشات بداية الثورة في نفسي وفي نفس زملائي الضباط علي الطريقة التي تسير بها الامور .

لقد قررنا أن ننتظر ونراقب وان نجتمع ونناقش ، وان نعطي للاحزاب فرصة اخري عسي ان تعرف هدفها وهو العمل لمصلحة الشعب وليس العمل لمصلحة الحزب .

كنت اجتمع انا وزملائي الضباط في منازلهم ، ولم يكن يحضر هذه الاجتماعات غيرنا ، لكن الهدف الذي كان يجمعنا لم يتحول الي ثورة بعد ، لقد كانت مجرد فكرة اولاً ، فكرة اتفق عليها الجميع واقتنع بها وبدأوا يبحثون عن حل .

ومرت الايام ، وفي كل يوم كانت الاحوال تزداد سوءاً ، وسقطت حكومة  وجاءت حكومة اخري .. انني لا اكتب في مذكراتي الاسماء لانني لا اريد ان اهاجم الاشخاص ، إن الاشخاص الذين اختيروا لتمثيل هذا الدور في تاريخ السودان  ليسوا مهمين بقدر الفكرة نفسها التي نفذوها  وتغير الاشخاص مع بقاء نفس النظام  الحزبي والتنافر وتقسيم الشعب الي احزاب لم يكن يؤثر ، كان مجرد تغير لممثل في رواية مسرحية ، ليأتي الممثل الجديد الذي يقوم بنفس الدور ونفس الحركات ، الرواية وحدها هي التي كانت بحاجة الي تغيير .

واصبحت انا واخوتي الضباط نعقد اجتماعات دورية ، كان كل واحد منا حريص علي ان يحضر هذه الاجتماعات السرية وان يبحث معنا عن حل حل لاسعاد الشعب وانقاذه .

انا مسؤل عن الشعب .

وهنا اقف قليلاً لاقرر حقيقة واقعة ،هي  إنني لم اكن اطمع في الحكم ولست انا ولا زملائي الضباط من الذين تغريهم المناصب ، اننا نعتقد ان الانسان يستطيع ان يخدم وطنه في كل ميدان ، وان الخدمات التي يؤديها الجندي لوطنه لا تقل بل وتزيد في كثير من الاحيان  عن الخدمات التي يؤديها وزير او حاكم . وكنت اقول لنفسي احياناً : انني مبسوط واعيش في رغد ولي املاك ، زيادة علي مرتبي ، انني لا اشعر بالضائقة ، لا اشعر انني محتاج لشيئ ، ثم اعود فاقول ولكن هذا الشعب ؟ هؤلاء الرجال جميعاً نحن مسؤلون عنهم ، اننا مسؤلون عن رفاهيتهم وحياتهم ، اننا يجب ان نعمل علي رفعتهم هم اولاً ويجب ان نفكر فيهم قبل ان نفكر في انفسنا وكان اخواني الضباط يوافقونني علي كل كلمة اقولها .

و ذات يوم منذ اكثر من سنة ، ولازلت اذكر هذا اليوم لانه كان يوماً حاسماً في حياتي ، انه يوم 16 مارس حيث اجتمعت مع زملائي الضباط بمنزلي واحضرنا مصحفاً ووضعناه امامنا علي المائدة واقسمنا علي المصحف جميعاً الا نبوح بالسر ، اقسمنا ان تبقي كل اتفاقاتنا في صدورنا فقط ،  الا نبلغها لأي انسان مهما كان عزيزاً علينا ومهما كانت صلتنا به قوية .

مولد مجلس الثورة

كان قسمنا هذا هو مولد مجلس الثورة وقررنا في ذلك اليوم انه اذا لم ينصلح الحال الحزبي واذا لم تسر الحكومة بعيداً عن الاضواء ، فاننا سنقوم بانقلاب ، ونستولي علي الحكم ، وقررنا ان نترك الفرصة عدة شهور للحكومات وان نجتمع بصفة دورية في منازلنا مرة كل اسبوع وان نسمع شكاوي الناس وان نحاسب علي الوعود الانتخابية ، وبدأنا نجتمع بسرية تامة ، لم يكن احداً يعلم ما يحدث بيننا نحن  الثلاثة عشر ضابطاً ، وكنا الوحيدين الذين نعرف ما يجري حولنا من احداث ، وفي كل مرة نعقد فيها اجتماع جديد كنا نزداد قناعة باننا يجب ان نستولي علي الحكم. ،الحكومات لا تفي بتعهداتها للشعب ، انها لا تعمل كما يريد المواطن السوداني ، لقد اصبح كل مواطن يشعر بعدم الاستقرار، اصبح غير مطمئن علي ماله و اسرته ، الرشاوي متفشية والفساد منتشرفي كل اجهزة الدولة ، إن  التصريح بدخول بضائع له ثمن وتصريح بخروجها ايضاً له ثمنه ، الساسة يباعون ويشترون ويغيرون مبادئهم حسب الاموال التي تدفع لهم ، ووجدت كل مواطن سوداني يريد تغيراً للموقف ، يريد ان يعيش ، ان الشعب يريد ثورة تنقذه من هذه الحالة انه يبحث عن  انقاذ شامل .

هكذا وجدت الثورة في الشعب ، انها ثورة من الشعب وله ، لقد كدنا نفقد كل شيئ حصلنا عليه باستقلالنا ولم يكن هناك بد من الحركة السريعة والتحرك لانقاذ الموقف ، ان الشعب هو الذي حدد موعد الثورة ونحن ما كنا الا منفذين له .

من النهار الي الليل

وهكذا بدأنا نفكر جدياً في في الثورة ، بدأنا في وضع الخطط لتنفيذ الانقلاب الذي يريده كل مواطن سوداني ويريده الشعب ،لقد كان النجاح مضموناً لان شعب السودان هو الذي يريد ثورة علي الاوضاع وقررنا اولاً ان ننقل الاجتماعات من النهار الي الليل .

قررننا ان نجتمع اربع ساعات علي ان يتم الاجتماع في مكتبي برئاسة القوات المسلحة مرتين في الاسبوع ، والمفروض ان جميع الضباط يأتون الي مكتبي دائماً ، كما اننا نجلس عادة في مكتبي بالليل كاصدقا ء  ، ولم يكن احد يشعر باننا نختار رئاسة الجيش لندبر فيها انقلاباً ، ان اجتماعات المنازل قد تثير الشك ولكن اجتماعاً في رئاسة الجيش وامام الجميع ، لا يمكن ابداً ان يكون وراءه ثورة ، بل علي العكس انه دائماً لاخماد  ثورة .

ولقد علمتني خبرتي في صيد الحيوانات ( فانا اهوي الصيد واصطدت عدة اسود وافيال وحيوانات اخري ) علمتني خبرتي انك تصطاد اسهل لو اتيت من أءمن مكان لفريستك .. ان الضربة في هذه الحالة تكون صائبة مائة في المائة لانك تأخذ الوقت الكافي لاعداد سلاحك وتصويبه ، بينما فريستك آمنة تترك لك هذه الفرصة .

وضعنا الخطة

واتفقنا علي الخطة كلها ، وضعت استعداداً لكل شيء ، وقدرنا كل الاحتمالات ، كان حساباً دقيقاً لكل ما يمكن ان يحدث ، وكل مانفعله للقضاء عليه ، ولم يكن وضع الاحتمالات غير المنتظرة في الخطة معناه اننا كنا ننتظر شيئاً ، فقد كنا نعلم ان الشعب سيرحب بخطوتنا لانها ثورة ، ولكن الايام وتربيتنا العسكرية علمتنا الا نترك شيئاً للظروف وان نحتاط للاسوأ ، فاذا حدث الافضل كان ذلك في مصلحتنا .

عقدنا اجتماعاً حاسماً في قيادة القوات المسلحة ، لقد حددنا في هذا اليوم تأريخ الانقلاب ، جعلناه 16 نوفمبر سنة 1958 وكان هذا اليوم هو اليوم السابق لافتتاح البرلمان ن وكانت امامنا الفرصة لنحرك قواتنا العسكرية كما نريد دون ان يشك في امرنا احد ن اننا سنتخذ من حجة افتتاح البرلمان ستاراً نخفي خلفه الغرض الحقيقي من تحرك القوات ، قررنا زيادة حامية الخرطوم ، وبدأنا في وضع الخطة التفصيلية لكل شيء ، حددنا الاسماء التي سوف تنفذ الاومر ، عدد الجنود والسيارات المصفحة والدبابات التي سوف نحتاج اليها في كل شارع ، الاماكن التي سنتولي حراستها لحماية الثورة .

 الفريق ابراهيم عبود .