الأمير عبدالرحمن النجومي

ولد الأمير عبد الرحمن أحمد محمد عبد الرحمن محمد أدريس الشهير بالأمير ود النجومى بقرية مويس ريفى شندى عام 1854م وهومن قبيلة النافعاب وهي بطن من بطون الجعليين واضطرت عائلته للهجرة من قرية مويس ريف شندي بعد مقتل إسماعيل باشا فراراً من إنتقام الدفتردار، شب عبدالرحمن النجومي في بيئة متدينة وتعلم القرآن علي يد الفكي هاشم (صاحب قبة الفكي هاشم بالخوجلاب)، في إحدي رحلاته واثناء مروره بالقرب من الجزيرة ابا سمع بدعوة الإمام المهدي وبوجوده بالجزيرة أبا وفي رحلته الثانية وفي طريق عودته من الجنوب خرج إلى الجزيرة ابا حيث قابل الإمام محمد أحمد المهدي وبايعه وظل في رفقته وكان ذلك في أغسطس 1881م،هاجر بصحبة المهدى وخمسمائة من الأنصار إلي جبل قدير مكونين اللبنة الأولي في طريق الثورة المهدية.

حاز النجومي على إعجاب المهدي وثقته بعد أن عرف فيه المميزات القيادية التي يتمتع بها وكان نتاج ذلك تعيينه أميراً للأمراء وقائداً عاماً على جميع قوات المهدي في حصار الخرطوم وسقطت علي يديه، ثم أرسلة الخليفة عبدالله التعايشي إلي (بربر) ليتولي قيادة قوات المطاردة للحملة الإنجليزية ولكنه أستدعي للأشتراك في حصار سنار ولكنها سقطت قبل أن يصل إليها، تولي قيادة القوات في دنقلا إلا أن قيادته كانت محفوفة بالصعاب والمخاطر للتناقضات التي برزت في تكوين حملته منذ البداية للمعاكسات التي تعرض لها من قبل مساعد قيدوم ويونس الدكين، تولي قيادة القوات التي أعدت لفتح مصر وتقدم بها حتي أستشهد في واقعة توشكي عام 1889م، عن عمر لا يتجاوز الخمسة والثلاثين عاما.


أهـــم معــارك النجومـــي
معركــــة شيكـــان
كانت معركة شيكان في نوفمبر 1883م ، كان النجومي يقوم ويشرف على تدريس قواته على استعمال السلاح، وذلك منذ أن علم المهدي بتكوين حملة بقيادة الجنرال هكس وهدفها الأول والأخير القضاء على الثورة المهدية ، وكان تدريب الأنصار كثيفاً ومستمراً على استعمال السلاح الحديث الذي تم الإستيلاء عليه في حصار الأبيض إيماناً منه أن من أهم مقومات النجاح في المعركة التدريب الجيد، بعد ستة أسابيع من إبتعاد هكس من النيل وبعد أن ذاق الأمرين من قلة الماء، وإخلاء الأهالي لقراهم بجانب تأثير قوات أبوقرجة والتي تولي قيادتها فيما بعد حمدان أبوعنجة.
 نظمت خطة الأنصار حسب التسلسل الأتي:
أ. قصف حمدان أبوعنجة الليلي لكسر روح المقاومة في المربع قبل المعركة.
ب. مفاجأة كمين القوة العدائية لقوات هكس وإحداث الرعب.
جـ. الهجوم بثلاثة محاور بدءاً بالمحور الامامي فالمحور الأيمن فالمحور الأيسر.
سيـــر المعركـــة
بعد ليلة الاحد 4 نوفمبر 1883م التي عرفت بليلة حمدان أبوعنجة وبعد أن أرسل النجومي كمينه لعمل الخندق في طريق هكس تحرك النجومي بقواته قاصداً شيكان وكان ذلك في صبيحة 5 نوفمبر 1883م وعند وصوله قام بإعادة تنظيم الرايات وبدأ القادة في احتلال أماكنهم، في حين احتلت الراية الزرقاء بقيادة الأمير يعقوب الجانب الأيمن، كما احتلت الراية الخضراء بقيادة الأمير موسى ودحلو الجانب الأيسر . تقدم هكس بمربعاته الثلاثة البطيئة المثقلة في ليلة قاسية متقدماً المربع الأمامي في حين قاد علاء الدين باشا المربع الثاني واللواء حسين مظهر المربع الثالث.
 انتهت تلك المعركة الشهيرة بأقل خسائر للأنصار وهي (200 قتيل) مقابلها في الطرف الأخر (13.000 قتيل) أي بإنتصار قوات المهدية على قوات هكس وذلك كان له أثر كبير في مسار الثورة المهدية.
عبقريـــة النجومي في شيكان
كانت حنكته العسكرية في قيادة قوات المواجهة من الاأسباب المباشرة في هزيمة هكس والتي تمثلت في :
أ. وضعه الكمين في طريق هكس أدي إلى تحقيق المفاجأة وأدت بدورها إلي التعجيل بالنصر في أقل زمن وأقل قدر من الخسائر .
 ب. إستخدام الفرسان لأول مره بأعداد كبيرة لأختراق مربعات هكس الفولاذية.
جـ. قام النجومي بالتنسيق مع المربعات الثلاثة وتحكم في ضبط النيران والإختفاء فكان الهجوم منظماً وفق اولويات معينة وإنتشار تكتيكي كانت نتائجه الإنتصار السريع.
د. حافظ النجومي على قوة إندفاع قواته وإدخالها مكان المعركة وهي في كامل حيويتها، وقد كان لكل ذلك أثر كبير في تمزيق مربعات هكس.
هـ. نجح النجومي في العمل الإستخباري المضاد إذ تمكن من منع هكس من الحصول على معلومات عن قواته، والسبب ادى إلي تخبط هكس فغير خططه وتقدم معصوب العينين إلي حتفه.
حصار الخرطـــــوم
في صبيحة يوم 18 فبراير 1884م رست باخرة غردون باشا حكمدار عام السودان على رصيف الخرطوم، فإستقبله كبار الضباط وقناصل الدول الأجنبية والمشايخ والعمد أعيان البلاد ورجال الدين، فخطب بعجرفة ضباط المعهد الفكتوري (إني بمقتضي هذا المرسوم قد سميت حاكماً عاماً ومفوضاً على كل السودان لأنظر مافيه من مشاكل .... الخ)لقد سبق هذا المرسوم الذى أصدره الخديوي عن مهمة غردون بصورة عامة وذلك نسبة لتردد الديوان والخارجية الإنجليزية والمندوب السامي في الأمر وخوفهم على ارواح الجنود.
 وعندما وصل غردون الخرطوم أرسل لرؤسائه في مصر بتعذر إخلاء الخرطوم وأوضح انه لن ينصاع لأوامر الإستدعاء إلا بعد الإطمئنان على حياة الجنود والمدنيين الموجوديين بالسودان، ولذلك كان رأي غردون الإخلاء يتطلب عوناً خارجياً وعسكرياً وسياسياً إذا يريد حقن الدماء.
 إختيار المهدي لإستراتيجية الحصار كان نتيجة تجاربه في الأبيض وبارا وإدراكه بأن الهجوم المباشر سوف تكون نتائجه وخيمة نسبة للتسليح المتفاوت والفارق في العتاد وتدريب الطرفين.
 بدات قوات المهدية بقيادة الشيخ عبيد ودبدر في حصار الخرطوم في جبهتين وتلاه في أبريل 1884م محمد أبوقرجة أمير البرين والبحرين قادماً من الأبيض لتولى قيادة القوات العامة فاكتملت بذلك حلقة الحصار، وقد دارت بينه وقوات الحكومة بقيادة غردون معارك عديدة كان النصر فيها سجالاً بينهم بل وقد سجلت قوات غردون باشا إنتصارات عديدة على قوات الأنصار زعزعت ثقتهم في أنفسهم أحياناً كثيرة، ولولا قوة الدافع الديني لأنهارت قوات الحصار وتشتت شملها.
 بينما كان عبدالرحمن النجومي يقاتل المرتدين عن المهدية في جبل الداير صدرت له تعليمات الأمام المهدي بالتحرك فوراً إلي الخرطوم وتسليم القيادة العامة لكل القوات التي تحاصرها وكان في إمرته (1500) من المجاهدين و(5000) من العرب ومدهم بالأسلحة النارية وسماه أمير أمراء المهدية فوصل إلي منطقة الخرطوم في أول سبتمبر 1884م من الرهد وأختار مقر قيادته العامة في المنطقة جنوب إستحكام وسور الخرطوم وعلى بعد مناسب من النيل الأبيض وشمال حلة شجرة ماحي بك.
دبلوماسية النجومـــي
بعد أن اكمل النجومي استعداداته القتالية بدأ مرحلة عمل خليط من الدبلوماسية والحرب النفسية، وقام بارسال رسائل الى غردون وأخرى إلى أهالي الخرطوم متيحاً فرصة السلام المشرف المبني على ترك الدنيا والانشغال بالاخرة لكي يسلم اهلهم ومالهم حسب سياسة الثورة المهدية في الجهاد والترفع من الماديات ، فكان خطابه مختصراً وصارماً كالاتي : (اعلم انا ود النجومي أمير امراء المهدية وفاتح كردفان والداير وجئتك بجيوش لا طاقة لك بها ومدافع لا قدرة لك باحتمالها فسلم تسلم ولا تسفك دماء العساكر والاهالي بعنادك والسلام ) وقد كان رد غردون باشا على هذا الخطاب جافاً بقوله (لقد اطلعنا على خطابك وانا لست مباليا بك ولا بسيدك المهدي وسوف يحل بك ما حل بابي قرجة والشيخ العبيد ود بدر وخلى عنك شقشقة اللسان وكسر الهريات وجرب نفسك والسلام ) ، ورغم جفاء غردون ومطاولته واستفزازه سار النجومي في طريق له الى الاستسلام حقناً للدماء وقد سرب خطاباته بواسطة جواسيس المنازل واسواق المدينة في نفس الوقت الذي كانت قواته تطبق الخنادق عليهم وسد عليهم المنافذ املاً ان يحملهم الجوع على التدبير والعقلانية .
خطـــة الهجـــوم
شدد النجومي الحصار على المدينة بدقة واستمرت الاعمال العدائية واعمال القناصة ضد العدو يومياً وباستمرار وكانت المكاتبات جارية بين المهدي وغردون حتى كانت هزيمة الانصار في ابو طليح بواسطة حملة الانقاذ ويتبعها قرار المهدي بالهجوم العام وحدد لذلك يوم 26 يناير 1885م وقد كلف النجومي بدفع تنفيذ خطة الهجوم وكانت خطته تتلخص في تقسيم قواته الى قسمين رئيسيين كما يلي :
أ. القسم الاول: يتكون من حملة الاسلحة النارية والمدافع بقيادة محمد عثمان أبو قرجة وواجب هذا القسم ان يقوم بالانتشار على طول مواجهة الدفاع واستحكام واحكام الرماية بالاسلحة النارية والمدافع عليه في وقت الهجوم بقصد تثبيت كل قوات الحكومة في المواجهة وانشغالها بالكامل عن هدفها الحقيقي .
ب. القسم الثاني والرئيسي: يتكون من غالبية حملة الاسلحة البيضاء وعدد من الاسلحة النارية وواجب هذا القسم بقيادة عبد الرحمن النجومي نفسه هو اقتحام الثغرة على شاطىء النيل الابيض ومهاجمة قوات الحكومة في الاستحكامات من الخلف بعد أن يتم تشتيتهم بواسطة القسم الأول كواجب رئيسي وبعد اكتساح قوات الدفاع عن الاستحكام يقوم بالهجوم على الفلول داخل المدينة وتنظيفها واقتحام سرايا غردون لمنعه من الهروب بالبواخر على النيل .
أسباب سقوط الخرطـوم
قام النجومي بتنفيذ خطته بدقة وكفاءة منقطعتي النظير وفي منتصف ليلتي 25/26 يناير 1885م قام بتوزيع قوات القسم الأول بسرية وهدوء حتى أن المدافعين عن الاستحكام لم يشعروا بها وقد اتخذت مواقع على بعد أقل من (300)متر على طول خط الدفاع عن النيل الابيض وحتى النيل الازرق في نفس الوقت الذي كان يتم تجميع اكثر من 15 ألف مقاتل تجاه الثغرة الضيقة على شاطىء النيل والجميع في انتظار ساعة الصفر ، وقبل الفجر مباشرة فتح القسم الاول نيران مدافعة واسلحته على طول الاستحكام وبدأ المدافعون في الرد عليهم بكل امكانياتهم واحتياجاتهم وفي هذه اللحظة اندفع المهاجرون من القسم الثاني وعلى رأسهم عبد الرحمن النجومي مقتحمين الثغرة وابادوا القوات القليلة التي كانت تحميها وهرب الوابوران اللذان كانا في حمايةالثغرة الى عرض النهر وتدفق المهاجرون واكتسحوا قوات الاستحكام من الخلف وحققوا المفاجأة الكاملة وابادوا في أقل من ساعة قوات الحكومة بين النيل وحتى بداية كبرى المسلمية وتمكنوا من فتح هاتين البوابتين مما مكن قوات القسم الاول من المشاركة في المعركة والمساهمة في نهايتها العاجلة وكان أن انحدرت قوات الحكومة انحداراً كاملاً بعد ساعتين من الفجر وسقطت بين قتيل وجريح وهارب ثم اندفعت قوات النجومي نحو المدينة ثم تطهيرها في ساعات قلائل وأسر كل من بقي حياً بها وانتهت المعركة تماماً في ضحى ذلك اليوم ولم تخسر قوات النجومي إلا القليل جداً نتيجة لتحقيق عامل المفاجأة الكاملة وقوة اندفاع الاقتحام الكبير .
 في اثناء هجوم القسم الثاني اندفعت قوة صغيرة من قوات النجومي متفرقة في شوارع المدينة في سرعة شديدة قاصدة سرايا الخرطوم لإعتقال غردون باشا أو القضاء عليه وقد قتل اثناء المقاومة هو وحرسه الخاص في ظروف غير واضحة المهم أن رمز الحكومة  الأجنبي في السودان قد سقط أخيراً معلناً نهاية  الحكم وبداية مرحلة جديدة في تاريخ السودان.
النجومي وحملة الشمال
بعد ان تولي الخليفة عبدالله مقاليد السلطة بعد وفاة المهدي عمل كل ما بوسعه لتحقيق تطلعات المهدي واضعاً لذلك منهجاًَ متكاملاً وطريقاً واضحاً يسير على هديه في سياسته الداخلية وفي علاقته بالدول المجاورة لذلك أرسل في طلب ود النجومي الذي كان يعسكر في المتمة منذ فبراير1885م بعد مطارته الناجحة لحملة الأنقاذ واوكل إليه مهمة فتح سنار.
 غادر النجومي أم درمان في 26 نوفمبر 1885م ووصل بربر في 20 ديسمبر من نفس العام ولم يبارحها إلا في أكتوبر وبرزت من البداية عدة مشاكل وهي:
أ. عدم التجانس بين الحملة في تكوينها.
ب. مشكلة المؤن والإمدادات.
جـ. سوء المواصلات.
 إستمرت الإستعدادات لتحريك الجيوش نحو الحدود المصرية بالرغم من المجاعة التي ألمت بالبلاد عام 1889م والمعروفة بمجاعة (سنة سته) مما جعل الخليفة عبدالله يستعجل قيام الجيوش وقرر أن يكون تقدمها سرية بعد سرية، وطائفة بعد طائفة، وإجتمع يونس ود الدكيم بقادة سراياه ووضعوا اللمسات الأخيرة لخطة التحركات، وتم إختيار عبدالرحمن النجومي قائد السرية الأولي (سرية المقدمة) وذلك لما له من شهرة قيادية وسط الأنصار ولمعرفته التامة بالأعداء وخبرته الواسعة في كل معارك المهدية السابقة.
 واصل النجومي تقدمه حتى وصل معتوقة وهناك عسكر بها وقام بتقسيم جيشه الى ثلاثة أقسام وجعل عبدالحليم مساعد وكيلاً ومساعداً له وكان تقسيم الجيش كالأتي:
أ. القسم الأول ويشمل الجعليين والبطاحين بقيادة إبن أخيه أحمد البشير الآمين.
  ب. القسم الثاني وشمل الدناقلة والمولدين بقيادة عثمان أزرق .
جـ. لقسم الثالث ويشمل البقارة من حمر وهبانية وأولاد حميد ومسيرية بقيادة إسماعيل عبدالمجيد من أولاد حميد.
 كذلك إهتمت الحكومة المصرية بشكل خاص بأمر قواتها الموجودة على الحدود الجنوبية والعمل على تقويتها وأصبحت تزداد قوة إلي أن بلغت في عام 1889م ما يلي:     
أ. (12800)مقاتل .
ب. (950)     مقاتل .
  جـ. (250)     مقاتل .
د.  (400)     مقاتل .
 وتم توزيع هذه القوات على حاميات الحدود في آبا – المرات قاليب ، كركر ، أسوان ، حلفا ، حرص ، أرقين، وكانت قوات أسوان تمثل الإحتياط لهذه الحاميات.
معركة أرقين
 كانت قوات النجومي ترمي إلي ورود الماء في أرقين وكان ودهاوس متابعا لأخبار الحملة أول بأول فوصل قبلهم الي أرقين بباخرتين قوامها(2500)بالإضافة إلي (130) من الهجانة وثمانية مدافع والأورطة السودانية التاسعة عشرة والحادية عشرة وتم تحصين المدينة من إنتظار الحملة التي أعياها المسير عبر الصحراء وأنهكها العطش.
 أصدر ود النجومي أوامره بأن يتم فتح الطريق لجلب الماء وبإستخدام عبدالحليم مساعد لخور متصل بالنيل وصلوا للماء وشربوا وشربت الدواب وأخذوا كفايتهم من الماء وفي العودة قسمت القوة إلي أقسام أجنحة ميمنه وأجنحة ميسرة وقلب وتمكنت من إحتلال أجزاء من القرية وهنا دارت معركة عنيفة لطرد قوات ود النجومي من أرقين وكانت الخسائر جسيمة حيث بلغت (90) قتيلا وخمسمائة أسير وجرح معظم ما تبقي من القوة في حين خسائر الأعداء لم تبلغ إحد عشر قتيلاً وستين جريحاً .
 إنسحب ود النجومي جنوباً إلي تلال أرقين وفي اليوم التالي عقد مجلس أمراء للتشاور في الأمر فكان إقتراح عبدالحليم مساعد بالإنسحاب جنوباً لعدم تكافؤ المعركة بالإضافة إلي عدم وصول أي إمدادات من دنقلا إلا أن ود النجومي رفض الإقتراح وتهيج قائلاً (لن أعود محمولاً على الأعناق) بدأت الخلافات بين الأمراء تلوح في الأفق مما أثر سلباً على معنويات الجنود زيادة على آثار الهزيمة في أرقين وبلغت الخلافات حد رفض الأوامر،حيث رفض عبدالسلام بله ورود الماء وركن من الجيش  بل هرب ومعه عدد من رتبه نهائياً من المعركة وتناقل الناس أن ود النجومي يقود حملته إلي نهاية مؤكدة ، وهرب بعد عبدالسلام الكثيرون فكتب ود النجومي ليونس الدكيم واصفاً له حالة الجند من تعب ومرض وجوع وعدم تعاون من قبل الأهالي معهم وإنضمامهم للأعداء وهرب الكثير من الجند ونفذت الذخائر وطلب منه إرسال المدد بالذخائر على جناح السرعة ومدد بالرجال لا يقل عن (2000) رجل فما كان من ود الدكيم إلا أن كتب للخليفة واصفاً له الحالة وجدب المنطقة وأنه لم يستطيع إرسال أي نجدة لود النجومي الذي توغل في أرض العدو وواضح له عدم تعاون الكثير القبائل حوله.
 رغم كل هذه الظروف كان ود النجومي يصر على التقدم شمالاً وكان الجنرال جرانفيل يتابع أخبار الحملة أول بأول وإستقر الحال بود النجومي من بلائه في إنتظار المدد وعسكر ودهاوس بجنب الحملة على النيل يمنعهم من الماء وحضر الجنرال جرانفيل ورأى حالة الفارين من قوات ود النجومي فكتب له واصفاً حالة حملته وأمره بالإستسلام قائلاً له:(أن الخليفة أرسلكم للهلاك فإن تقدمت تجد جيش الإنجليز متعطشاً لدمائكم وإن عدت فقوات حلفا جاهزة لإبادتكم إن بقيت مكانك مت من العطش فلا أمامك إلا الإستسلام) ولكن ود النجومي إستقبل هذه الرسالة ببرود شديد وكان رده نابعاً من إيمانه وتصميمه ومهديته فرد على جرانفيل قائلاً:( ندعوك للإسلام ولا تعتمد على قوة جيشك وعتادك فإن الله سينصر عباده المؤمنين ) وطلب منه الإستسلام وكتب للخليفة شارحاً له ما حدث فبارك له الخليفه رده.
 قبيل تحرك ود النجومي من بلاده هرب كاتبه حسن الحبشي إلي معسكر ودهاوس ونقل معه صورة حية عن معسكر ود النجومي وإحصائيات مفصلة عن الحملة كانت على النحو التالي:
(2821) محارب ، (309) بنادق ، (132) جواداً ،(200) جمل ، (4000) من النساء والأطفال ، ووصول قوات النجدة بقيادة على ودسعد وكمين النور في 25 يوليو 1889م وهي تتكون من (500) مقاتل ، (3000) بندقية مع عدم حملهم لأي مؤن.
معركة توشكي
تحرك النجومي بعد وصول النجدة وتنظيم قواته في 28 يوليو 1889م قاصداً توشكي تاركاً وراءه الكثير من المرضي والجرحي الذين تعذر عليهم مواصلة السير ، وصل عبدالرحمن النجومي إلي تلال توشكي  وعسكر عند سفحها الغربي في أول أغسطس 1889م حتى يكون بعيداً عن نيران الأعداء التي كانت تطاردهم من النيل، وقد إنخفض تعداد الجيش إلي (3000) مقاتل، أما من الجانب الأخر فقد إنضمت قوات ود هاوس التي كانت تتابع النجومي إلي القوات المصرية بقيادة السردار جرانفيل وأصبحت قوة واحدة تحت قيادة جرانفيل وقد بلغ عدد القوات المعادية كما يلي:
أ. (500) من الفرسان الراكبة بقيادة اللواء كتشنر باشا.
ب. (240) من الطوبجية ومعهم 8 مدافع بقيادة القائم مقام وندل بك.
جـ. لواء مشاة ود هاوس قوة كل لواء (1500) جندي.
د. قسم طبي يتكون من (70) فرداً.
 في الثالث من أغسطس واصل النجومي تقدمه شمالاً قاصداً بلاده ولكن لواء كتشنر تصدى له فبادر النجومي بإطلاق نيران كثيفة على قوات كتشنر مما اضطره  إلي الإنسحاب خلف تلال كثيفة على بعد نصف ميل من جهة النيل ومن هناك بدأ في انزال النيران على قوات النجومي حاول النجومي تركيز هجومه على رئاسة القوات المصرية الراكبة والتى كانت بقيادة جرانفيل مما اضطر جرانفيل للانسحاب ورفع اللواء الآخر معززا بالطوبجية لمواجهة هجوم النجومي وبازدياد كثافة النيران على قواته اضطر النجومي لايقاف الهجوم الذي لم يحقق نجاحا وغير اتجاه قواته لجهة الشمال الغربي ولكن لواء كتشنر قد احتل ذلك الاتجاه فتصدى لقوات النجومي وتمكن من ايقافها وتقدمها من ذلك الاتجاه وبذلك اصبحت قوات النجومي شبه محاصرة.
 لما رأى النجومي أن قواته حصرت أن يقف وقفته الاخيرة فاختار منطقة منبسطة صف فيها قواته وجاعلا حملة البنادق فى الامام وخلفهم حاملي السيوف والحراب ووضع راتبه في تل خلف قواته وجعل النساء والاطفال والحملة فى مكان منخفض وراءه بعيداً عن النيران واستعد لمواجهة العدو ، قامت القوات المصرية بشن هجوم مركز على قوات النجومي فتصدت لها قوات النجومي وقاتلت قتالا شرسا لكنها لم تستيطع الصمود وتكبدت خسائر فادحة مما إضطرها للتقهقر والتفرغ بعد ان قتل عدد كبير من القادة ، كان القائد عبدالرحمن النجومي في تلك الفترة ببذل قصارى جهده لاعادة تجميع قواته وتنظيمها لمواصلة القتال فلاحظ ذلك جرانفيل فوجه له قوة راجلة للقضاء عليه وكان لها ما ارادت فسقط الامير القائد على الارض فصعدت روحه الطاهرة الى بارئها فحمله ملازموه على جمل وحاولوا الافلات به من قوات العدو الا انها لحقت بهم واستولت على الجثمان تفرقت بقية قوات النجومي بعد الهزيمة التي لحقت بها وانسحبت جنوبا تطاردها القوات المهدية.وقضت علي جزء كبير منها وقد إستشهد في المعركة غير المتكافئة من قوات النجومي حوالي (1500 مقاتل) على رأسهم الأمير البطل عبدالرحمن النجومي وبنهايته في توشكي بدء العد التنازلي لدولة المهدية في السودان.
أسباب الهزيمة
من خلال دراسة الحالة السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي سبقت خروج الحملة والوضع الإقتصادي الذي صاحب خروج الحملة يمكن تلخيص اسباب الهزيمة في الأتي:
أ. تكوين حملة عناصر عبدالرحمن النجومي من عناصر غير متجانسة مما أدي إلى ظهور خلافات القادة .
ب. عدم توفر المؤن والإمدادات مما أثر على فعالية الأفراد وأدي إلي خفض روحهم المعنوية.
جـ. قلة وسائل النقل في بداية الحملة وإنعدامها عند إحتدام القتال.
د. زيادة العبء الإداري بإصطحاب النساء والأطفال.
هـ. إنعدام الخدمات الطبية .
و. المكوث طويلاً دون أعباء واضحة زائد تعنت ود النجومي وعدم أخذه رأي الأمراء.
ز. التفوق الواضح للعدو في القوة والتدريب.
ح. عدم توافر المعلومات عن قوات العدو .
ط. مركزية إتخاذ القرار متمثلاً في الرجوع لأمدرمان قبل إصدار القرارات.
ى. ظهور المجاعة المعروفة بمجاعة (سنة ستة) عام 1306ه الموافق 1889م والتي أثرت تأثيراً كبيراً على إقتصاد البلاد. 
 الصفات الشخصية لعبد الرحمن النجومي:
أ. الشجاعة والثبات والإقدام وكانت هذه من خصال معظم رجال المهدية وخاصة قادتها.
 ب. الولاء المطلق للثورة المهدية .
جـ.  الصبر وقوة التحمل والشكيمة.
د. الحس العسكري المرهف وكان يجيد التخطيط للعمليات الهجومية ينفذ خططه بكل دقة وظهر ذلك جلياً في حصار الخرطوم ومعركة شيكان .
هـ. الروح العدائية والعمل التعرضي وحسم القتال.
و. التفاؤل والروح المعنوية العالية فكانت حرب الأعداء النفسية لا تهز منه شعره ومهما تراجعت حالة جنده كان على أمل في أن يتحسن الحال.
ز. الإنضباط العالي حيث إمتثل لأوامر الخليفة بتسليم قيادة حملة الشمال ليونس الدكيم وظل تحت إمرته.
ح. الإيمان الثابت والثقة التي لاتحدها حدود في الله تعالي ومبادئ وأهداف المهدية فكان الجانب الروحي مسيطرا عليه لدرجة كبيرة مما دفعه لإهمال كل حسابات النصر المادية في معارك الشمال.
 ط. انتصاراته السابقة منذ بداية الثورة وحتي سقوط الخرطوم أكسبته ثقة في نفسه زائدة عن الحدود دفعته للإستهانة والإستخفاف بالأعداء وإهمال الجانب الإستخباري بشقيه السلبي والإيجابي في حملة الشمال بعد أن كان يهتم به جداً في حصار الخرطوم وما سبقه من معارك.
 ى. عدم الاهتمام بروح جنوده المعنوية ولقد ظهر ذلك جلياً في حملة الشمال.
 ك. عدم الاهتمام بالنواحي الإدارية والإعتماد علي الموارد المحلية دون وضع نظام ثابت لإمداد الجيش.
 ل. كان عنيداً لايستمع لمشورة الآخرين في أغلب الأحيان ويصر على رأيه حتى وإن كان على غير صواب مما كلفه كثيراً.