الإثنين03272017

Last updateالإثنين, 27 آذار 2017 10am

Back أنت هنا: الرئيسية عن الوزارة شخصيات عسكرية

مواصلة نشر مذكرات الرئيس عبود لأول مرة

قصة الثورة..

بقلم الرئيس الفريق عبود (2-2)

* لم تكن الحراسة التي فرضناها على منازل السياسيين بسبب خوفنا منهم، بل كانت لحمايتهم من غضب الشعب

* لقد كانت الـ24 ساعة قبل اندلاع الثورة هي من أدق اللحظات التي مرت على حياتي

* كانت الخوذات على رؤوس الجنود تعطيك فكرة أننا مقدمون على حرب حقيقية

مقدمة:

إن المذكرات لا تكتب بالمداد، إنما تكتب دائماً بالدم.. صحيح إننا نضعها هنا على الورق ولكن قبل أن نكتبها نعيشها بدمائنا وأرواحنا وهذه هي مذكراتي عن ثورة السودان، ثورة 17 نوفمبر 1958.

الفريق إبراهيم عبود

من مشرف الصفحة:

نواصل في النسخة الثانية من مذكرات الرئيس الفريق إبراهيم عبود ما انقطع من تدوين سعادته للحظات الحاسمة التي سبقت قيام ثورة نوفمبر 1958 (الثورة البيضاء) كما يحلو له أن يسميها استناداً على كونها نُفذت لإنقاذ البلاد أولاً من التردي السياسي المريع الذي كان يهدد أمن واستقرار البلاد، وثانياً كونها (الثورة) حدثت دون إراقة قطرة دم واحدة من دماء الشعب أو قواته المسلحة، فدعونا نتابع هذه الذكريات التي تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ القوات المسلحة، لا سيما وأن التدوين لها كان بقلم السيد القائد العام لها ورئيس البلاد فيما بعد نجاح الثورة.

كنا نريد حمايتهم

وقررنا في هذا الاجتماع أن نضع حراسة على منازل السياسيين القدامى يوم الانقلاب، وأن نمنعهم من مغادرة دورهم، ولم تكن هذه الحراسة لأننا نخافهم، بل كانت لحمايتهم من غضب الشعب، كانت الجماهير ستفتك بهم إن رأتهم يوم الثورة، وكنا نريدها ثورة بيضاء من غير دماء، إننا لا نريد القتل، بل نريد إصلاح الأمور، نريد رفاهية الشعب فقط، وبدأنا نحدد الثورة بالأسماء والأرقام، فرقة كذا بقيادة فلان، سنتحرك الى نقطة معينة في ساعة محددة، وفرقة أخرى تتولى حراسة المنشآت، وهكذا لم يكن أحد يعلم بتفاصيل الخطة إلا نحن قادة الثورة الـ13 ضابطاً، كنا وحدنا الذين نعرف كل شيء ولم يكن أي ضابط في الجيش يعلم شيئاً، ولم يكن هنالك أحد في الجيش لديه معلومة على الإطلاق، كان على كل واحد منهم أن ينفذ الأوامر التي صدرت اليه، والضباط لهم ثقة عمياء بقائد الجيش، وانتهى إعداد الخطة في ثلاثة أسابيع كنا نعد ونضيف ونراجع ونجد احتمالات، ثم نعد طريقة مواجهتها وكنا نناقش الخطة بدقة لتلافي أي احتمالات سالبة، ثم انتهى إعداد الخطة وحان الوقت لتنفيذها، وكان أمامنا أسبوعان فقط للتنفيذ.

وكان أمامنا عمل كبير كان يجب أن يتم نقل القوات وبسرعة، ويجب أن يكون كل قائد في منطقته التي سيشرف منها على الانقلاب حتى يمكنه في ساعة الصفر أن يبدأ في التحرك، قادة الجنوب يجب أن يكونوا في مراكزهم قبل حدوث الانقلاب وأن تكون قواتهم كاملة السلاح ومستعدة لأي طارئ، قادة المنطقة الشمالية أيضاً يجب أن يكونوا في مراكزهم، ثم الخرطوم العاصمة التي يجب أن تتركز فيها قوات كبيرة لأنها أهم نقطة في الانقلاب

نقل الجنود

وبدأنا ننقل الفرق بهدوء من الجنوب والشمال الى الخرطوم، إنني لن أسجل هنا عدد القوات التي استعملناها في الانقلاب لأن هذا سر عسكري ولكني أسجل في مذكراتي أنه قام بتنفيذ الانقلاب في شوارع الخرطوم أربعة آلاف عسكري وأربعون دبابة وسيارة مصفحة، وأن الاحتياطي الذي كان موجوداً داخل الثكنات كان احتياطياً ضخما ويكفي لمواجهة أي شيء.

وفي الأسبوع الأخير قبل الانقلاب كان الموقف يغلي، الأعمال لا تتم عامة، لقد كنت استمع الى شكاوى الشعب وصدري يغلي، كنت أتمنى أن أصرخ فيهم أننا سننقذكم، أننا لن نترككم، أن الجيش هو الشعب، والشعب هو الجيش، ولكن القسم الذي أديته على المصحف وكتمان السر لنجاح الانقلاب كان يمنعني من الصراخ.

كنت أريد أن أقول وما زلت أريد أن أقول للناس: إنني لا أطمع في حكم، لا أريد مركزاً، كل ما أريده هو سعادة شعب ونهضة أمة، وكنت أنظر حولي للبلاد التي تعيش نفس ظروفنا فأجد أن الانقلابات العسكرية أفادتها وأنها تقدمت بها الى الأمام بخطوات سريعة عاجلة، في مصر حدث تقدم سريع بعد الانقلاب، وكذلك في العراق وكان إيماني بالثورة يملأ دمي ويريد أن يخرج ليخبر كل مواطن بما يحدث.

تعطيل الانقلاب 24 ساعة

وبدأ نقل الفرق الى الخرطوم، وهنا حدثت المفاجأة التي عطلت الانقلاب 24 ساعة، لقد استدعيت بعض الفرق من القيادة الوسطى والقيادة الشرقية لتعزيز حامية الخرطوم، ولكن هذه الفرق ولأسباب خاصة بالنقل والطرق تأخرت 8 ساعات، وقررنا تأجيل الانقلاب 24 ساعة على أن يتم في 17 بدلاً عن 16 نوفمبر بسبب تأخر الفرق اللازمة من أجله.

وكانت الساعات تمر بطيئة قبل الانقلاب ولكني كنت سعيداً، كنت أشعر كإنسان سيرد الجميل لشعبه وأمته، وأحس أنني أقوم بالواجب الذي أقسمت من أول يوم على أن أؤديه، لم يكن الوضع هو قلب حكومة شرعية، بل كان الوضع هو إحضار الحكومة التي سيرضى عنها الشعب، وبدأ كل شيء يسير في طريقه المرسوم، وقررت أن أترك منزلي قبل 24 ساعة وأن آخذ زوجتي وأولادي وأذهب بهم الى والد زوجتي، إنني لم أكن أعرف ماذا سيحدث، ولم يكن يهمني ماذا سيحدث إنما كل الذي كنت أهتم به أن يكونوا بعيدين عن كل شيء. وهنا أقف قليلاً من سرد الأحداث المتراصة التي تريد أن تسجل لأقول إن عائلتي هي أغلى شيء في وجودي، ولكن في هذه اللحظة تلاشى كل شيء ولم يكن هناك سوى كلمة واحدة مقدسة إنها إنقاذ الوطن.

الله معنا

واستطعت أن أقنع عائلتي بالرحيل حاولوا معرفة السر فرفضت، فقلت أنني مشغول، افتتاح البرلمان وحالة الطوارئ ولا أحد يعرف ماذا سيحدث، قالوا لقد افتتح البرلمان من قبل ذلك عدة مرات ولم تتخذ إجراءات مثل هذه التي تتخذها الآن، قلت إن الحالة هذه المرة أقسى من المرات السابقة وأخيراً أقنعتهم بأن يأخذوا ملابسهم ويذهبوا عند والد زوجتي.. ووضعت الخوذة على رأسي وقلت لقد بدأ العمل، إن الله معنا، إنه لا يريد لهذا الشعب الضيم، يريد أن ينقذه لأننا شعب طيب نقي صريح، وحتى هذه اللحظة قبل الانقلاب بـ24 ساعة لم تكن ساعة الصفر قد حددت، كان اليوم محدداً الا أنه تأجل 24 ساعة ولكن ساعة الصفر نفسها لم تكن محددة وجلسنا نتداول في ساعة الصفر وكان الضباط والجنود في ثكناتهم بملابس الميدان والأسلحة، والسبب الظاهر طبعاً البرلمان، لقد تحولت الثكنات الهادئة الى معسكر حربي كبير وجلسنا نفكر هل نجعل ساعة الصفر في الرابعة صباحاً أو نجعلها منتصف الليل، وبدأنا نحسب الوقت الذي ستستغرقه العمليات الحربية، ثم قررنا أن نجعلها الثانية بعد منتصف الليل، أي يبدأ الجنود التحرك من ثكناتهم الى المواقع المحددة في تمام الثانية تماماً ويتم كل شيء قبل الرابعة والنصف تماماً، لقد كانت العمليات سريعة ومحددة وكل واحد محدد له دوره بدقة، الأماكن التي سيحرسونها، طريقة الحراسة، عدد القوات كل ذلك كان مسجلاً دقيقة بدقيقة.

آخر 24 ساعة قبل الانقلاب 

وهنا أترك المذكرات الـ24 ساعة الأخيرة التي سبقت الانقلاب، أنها آخر صفحة دونتها، آخر ما خطه قلمي فيها، أما بعد ذلك فقد منعني العمل المتواصل من تسجيل ما حدث ويوماً بعد أن تتحسن الأحوال سأجلس الى مذكراتي مرة أخرى لأدون فيها بالحبر ما تمت كتابته بالدماء على صفحة الحياة.

لقد كانت الـ24 ساعة قبل الثورة هي من أدق اللحظات التي مرت على حياتي، لم أكن أخاف أن يكتشف تدبير الثورة. لكني كنت أخشى أن يحدث أي شيء من أي فرد  غير مقدر للمسؤولية، وجلست وكان معي عدد من قادة الثورة، أما الباقون فكانوا في مراكزهم في القيادات الأخرى بانتظار تنفيذ الأوامر، وبدأنا نعد في خطابات الإقالة لأعضاء مجلس السيادة والوزراء، كنا نريد أن نكتبها على الآلة الكاتبة ونضعها في مظروف أنيق ونعطيها لهم ولكننا أردنا المحافظة على السرية التامة فيها، ولذلك قررنا كتابتها بخط اليد.

خطابات الإقالة للحكومات السابقة

وفكرنا أن تصدر الخطابات باسم مجلس الثورة وعدلنا عن ذلك لأن مجلس الثورة لم يكن يولد رسمياً، قررنا أن تصدر باسم قيادة القوات المسلحة، وفي دقائق كنا قد أعددنا صيغ الخطاب، لقد أردنا أن تكون صيغة مهذبة، وهذا نصها:

إنها تبدأ بالاسم، ثم تخطركم القيادة العامة للقوات المسلحة بالاستغناء عن خدماتكم في الوزارة أو مجلس السيادة (حسب مركز المكتوب في الخطاب).. وهي تشكركم على ما بذلتموه من خدمات، والإمضاء، قائد القوات المسلحة الفريق إبراهيم عبود.

وبدأت أكتب الخطابات لأعضاء مجلس السيادة الثلاثة ورئيس الوزراء، كنت كلما انتهيت من كتابة خطاب أضعه في ظرف، ثم بختم القيادة العامة للقوات المسلحة ثم يغلق بالشمع الأحمر، وأعددت 15 خطاباً للوزراء وأعضاء مجلس السيادة.

وانتهى إعداد الخطابات لتبدأ مرحلة أخرى وهي مرحلة اختيار الضباط الذين سيكلفون بمهمة توصيل خطابات الإقالة، لقد قررنا أن يحمل الخطابات ضابط كبير حتى يستطيع التصرف بسرعة وحتى يكون إخطاره لائقاً بخطورة المهمة التي يقوم بها واخترنا ضابطين برتبة القائم مقام، وكانت الفكرة الأولى أن يتم تسليم الخطابات بعد أن يتم إعلان نبأ الانقلاب رسمياً ولكننا قررنا أنه يجب إقالة الحكومة القديمة أولاً قبل أن تعلن الحكومة الجديدة، ولذلك تقرر أن يتم تسليم الخطابات لأعضاء مجلس السيادة والوزراء ورئيس الوزراء قبل الساعة السادسة والنصف صباحاً وهو الوقت الذي حددته لإذاعة بياني الأول على الشعب السوداني من الإذاعة بأمدرمان، أنها أول مرة أدخل فيها الى الإذاعة وأتحدث فيها بالميكرفون الى الجماهير، لقد كنت قبل ذلك أذيع رسائل للضباط والجنود ولكنها كانت تسجل في مكتبي على شريط ثم تذاع، ولم أدخل الإذاعة أبداً قبل يوم الثورة، وكانت الساعة قد بلغت العاشرة مساء، كل شئ قد تم إعداده وباقي على البدء في الانقلاب 4 ساعات كاملة.

العمل بسرعة

وانتهزت هذه الفرصة للاتصال بقيادات الجيش في مختلف أنحاء السودان لمعرفة مدى استعدادها للقيام بالعمل، وجدتها كلها مستعدة للعمل بسرعة، لقد أعد كل قائد جنوده، أعطاهم السلاح وألبسهم ملابس الميدان ووقفوا على استعداد للتحرك في الدقيقة التي تصدر لهم فيها الأوامر، والدقيقة هي ساعة الصفر الساعة الثالثة صباحاً، وقررنا أن يتم الاتصال بين وحدات الجيش خلال فترة تنفيذ الانقلاب باللاسلكي، أن التلفونات ستقطع وأن اللاسلكي أضمن وأسرع الطرق في الاتصال والاحتفاظ بسرية الاتصالات. وبدأت الاتصالات السرية التجريبية وتبين أن جميع وحدات اللاسلكي ستكون مستعدة للعمل ساعة الصفر وأنها ستبقى متصلة ببعضها طوال فترة الانقلاب لتكون شبكة لاسلكية تصل جميع الوحدات بعضها ببعض.

ساعة الصفر

كانت الساعة منتصف الليل وقررت أن أخرج الى الخرطوم لأستطلع الأحوال بنفسي حتى أعرف هل تسرب خبر الانقلاب أم لا، أن تسرب الخبر قد يؤدي الى نتائج لا نريدها أن تحدث، ووجدت شوارع الخرطوم هادئة، المرور فيها قليل كما هو الحال دائماً خلال هذه الفترة من الليل، الناس الباقون في الشارع يسرعون في العودة الى منازلهم، المحال العامة والمقاهي بدأت تغلق أبوابها، لا أحد يحس أبداً بأن انقلاباً سيحدث بعد ساعتين وأن عهداً قديماً سيزول وعهداً جديداً سيبدأ.

وظللت نصف ساعة أجول في شوارع الخرطوم الهادئة ثم عدت الى الثكنات وبدأت العمل فوراً، اجتمعنا لآخر مرة وراجعنا الخطة النهائية للانقلاب خطوة بخطوة، ثم بدأت الأوامر التمهيدية للقوات، الاستعداد للتحرك، وأصبحت المعسكرات كخلايا النحل، الجنود اصطفوا بجانب اللوريات التي ستحملهم الى أماكنهم المحددة بالخرطوم، أنهم يلبسون الخوذات ويحملون السلاح، جنود الدبابات والسيارات المصفحة وقفوا بجانب آلياتهم، الضباط على استعداد للتحرك في أي لحظة، ونزلت أنا الى الثكنات وطفت على الجنود بسيارة جيب، لقد كان كل واحد منهم يحمل بطانيته وكأنه ذاهب الى ميدان القتال، البنادق مليئة بالرصاص، خزانات الرصاص الاحتياطي مملؤة وموضوعة في جيوب الجنود، الخوذات على الرؤوس تعطيك فكرة أننا مقدمون على حرب حقيقية، كان كل شئ قد تم إعداده ببراعة والخطة ستنفذ كما وضعت تماماً بدون أدنى تغير.

وجاءت ساعة الصفر، الساعة الثانية صباحاً وصدرت الأوامر للضباط والجنود بالتحرك فوراً، سلمت الأوامر لكل ضابط، المنطقة التي سيذهب إليها، المكان الذي سيعسكر فيه، ماذا سيفعل إذا واجهته ظروف مفاجئة، كان كل شئ معداً، وأمام الضباط الأوامر للتصرف في مواجهة كل الاحتمالات، وبدأت الطوابير الضخمة تخرج من مبنى وزارة الدفاع، أنهم الجنود يحملون السلاح، لقد بدأت الثورة.

الفريق إبراهيم عبود.

صحيفة القوات المسلحة تنفرد بنشر مذكرات الرئيس عبود لاول مرة

قصة الثوة ..

بقلم الرئيس الفريق عبود ( 1-2)

* وضعت الخوزة علي رأسي وقلت   : لقد بدأ العمل

* لم تكن  الثورة لقلب حكومة بل لاحضار حكومة يرضي عنها الشعب

* إن الله يريد انقاذنالاننا شعب تقي و صبور .

* انني لا اكتب في مذكراتي الاسماء لانني لا اريد ان اهاجم الاشخاص .الفريق عبود

* الخدمات التي يؤديها الجندي لوطنه لا تقل بل وتزيد في كثير من الاحيان  عن الخدمات التي يؤديها وزير او حاكم .

مقدمة :

إن المذكرات لا تكتب بالمداد ، انما تكتب دائماً بالدم .. صحيح اننا نضعها هنا علي الورق ولكن قبل ان نكتبها نعيشها بدمائنا وارواحنا وهذه هي مذكراتي عن ثورة السودان ، ثورة 17 نوفمبر 1958.

الفريق ابراهيم عبود

انها بلا مقدمات مثيرة ، وبلا طلاء ، انها الحقائق وحدها لانني تعودت ان اعيش حياتي علي الحقيقة فقط ، والا الجأ الي الخيال .

لقد بدأت اراقب الموقف  في السودان بعد الاستقلال مباشرة وليس معني هذا انني كنت بعيداً عنه قبل الاستقلال  ، لقد كنت اعيش فيه ، ولكن الهدف الاكبر لنا جميعاً كان الحصول علي استقلال السودان ، وعندما تحقق الهدف الاكبر بدأت الاحلام الداخلية تتحرك من الحيز الضيق الذي كانت تشغله الي حيز اكبر واقوي ..

وبدأ الحكم في السودان ، حكم سوداني صحيح ، احزاب وبرلمان ودستور ومجلس سيادة ، كل هذا كان علي الورق ، وكان يبشر بمستقبل كبير وانتظرنا التنفيذ ، انتظرنا الحلم الذي رسمناه علي الورق ، ليصبح حقيقة واقعة ، لنشاهد كيف سيعيش.

انني أوُمن بالديمقراطية الصحيحة ، وحتي الان والمسألة كلها علي الورق كانت تبدو ديمقراطية سليمة صحيحة ولكن المهم التنفيذ .

وبدأ التنفيذ ، ومرت الاشهر الاولي من قيام أول وزارة سودانية لتحكم  السودان فماذا وجدت ؟

وجدت ان الديمقراطية قد انقلبت الي حزبية ، كل حزب يحاول جمع انصاره ويجعلهم مقتنعون بما يقوله  الحزب فقط ، الحزب المعارض يقف ضد اي مشروع حتي ولو كان الهدف منه صالح البلاد ، لا احد ينظر الي هذا ، المهم مناورات حزبية لاسقاط الوزارة باي ثمن ، ومهمة الوزارة هي البقاء في الحكم .

 بداية الثورة

ووسط هذا الضجيج ضاعت مصلحة كبيرة ، انها مصلحة شعب السودان  هذا الشعب الذي يريد انساناً يفكر فيه وحده ، في مصلحته وفي رفاهيته وفي العمل المثمر من اجله ، ان هذا مايريده الشعب ، لا يريد مناورات ومناقشات وحزبيات ولكن يريد عملاً من اجله فقط وفي سبيل سعادته وحده انه يريد ان يحس ان له كياناً وان الحاكم ينظر اليه ، لا يسرقه بوعود براقة اثناء الانتخابات ثم ينسي هذه الوعود بعد الانتخابات ، وبدأت اتحدث عن الفكرة و اناقشها مع زملائي الضباط وكانت هذه المناقشات بداية الثورة في نفسي وفي نفس زملائي الضباط علي الطريقة التي تسير بها الامور .

لقد قررنا أن ننتظر ونراقب وان نجتمع ونناقش ، وان نعطي للاحزاب فرصة اخري عسي ان تعرف هدفها وهو العمل لمصلحة الشعب وليس العمل لمصلحة الحزب .

كنت اجتمع انا وزملائي الضباط في منازلهم ، ولم يكن يحضر هذه الاجتماعات غيرنا ، لكن الهدف الذي كان يجمعنا لم يتحول الي ثورة بعد ، لقد كانت مجرد فكرة اولاً ، فكرة اتفق عليها الجميع واقتنع بها وبدأوا يبحثون عن حل .

ومرت الايام ، وفي كل يوم كانت الاحوال تزداد سوءاً ، وسقطت حكومة  وجاءت حكومة اخري .. انني لا اكتب في مذكراتي الاسماء لانني لا اريد ان اهاجم الاشخاص ، إن الاشخاص الذين اختيروا لتمثيل هذا الدور في تاريخ السودان  ليسوا مهمين بقدر الفكرة نفسها التي نفذوها  وتغير الاشخاص مع بقاء نفس النظام  الحزبي والتنافر وتقسيم الشعب الي احزاب لم يكن يؤثر ، كان مجرد تغير لممثل في رواية مسرحية ، ليأتي الممثل الجديد الذي يقوم بنفس الدور ونفس الحركات ، الرواية وحدها هي التي كانت بحاجة الي تغيير .

واصبحت انا واخوتي الضباط نعقد اجتماعات دورية ، كان كل واحد منا حريص علي ان يحضر هذه الاجتماعات السرية وان يبحث معنا عن حل حل لاسعاد الشعب وانقاذه .

انا مسؤل عن الشعب .

وهنا اقف قليلاً لاقرر حقيقة واقعة ،هي  إنني لم اكن اطمع في الحكم ولست انا ولا زملائي الضباط من الذين تغريهم المناصب ، اننا نعتقد ان الانسان يستطيع ان يخدم وطنه في كل ميدان ، وان الخدمات التي يؤديها الجندي لوطنه لا تقل بل وتزيد في كثير من الاحيان  عن الخدمات التي يؤديها وزير او حاكم . وكنت اقول لنفسي احياناً : انني مبسوط واعيش في رغد ولي املاك ، زيادة علي مرتبي ، انني لا اشعر بالضائقة ، لا اشعر انني محتاج لشيئ ، ثم اعود فاقول ولكن هذا الشعب ؟ هؤلاء الرجال جميعاً نحن مسؤلون عنهم ، اننا مسؤلون عن رفاهيتهم وحياتهم ، اننا يجب ان نعمل علي رفعتهم هم اولاً ويجب ان نفكر فيهم قبل ان نفكر في انفسنا وكان اخواني الضباط يوافقونني علي كل كلمة اقولها .

و ذات يوم منذ اكثر من سنة ، ولازلت اذكر هذا اليوم لانه كان يوماً حاسماً في حياتي ، انه يوم 16 مارس حيث اجتمعت مع زملائي الضباط بمنزلي واحضرنا مصحفاً ووضعناه امامنا علي المائدة واقسمنا علي المصحف جميعاً الا نبوح بالسر ، اقسمنا ان تبقي كل اتفاقاتنا في صدورنا فقط ،  الا نبلغها لأي انسان مهما كان عزيزاً علينا ومهما كانت صلتنا به قوية .

مولد مجلس الثورة

كان قسمنا هذا هو مولد مجلس الثورة وقررنا في ذلك اليوم انه اذا لم ينصلح الحال الحزبي واذا لم تسر الحكومة بعيداً عن الاضواء ، فاننا سنقوم بانقلاب ، ونستولي علي الحكم ، وقررنا ان نترك الفرصة عدة شهور للحكومات وان نجتمع بصفة دورية في منازلنا مرة كل اسبوع وان نسمع شكاوي الناس وان نحاسب علي الوعود الانتخابية ، وبدأنا نجتمع بسرية تامة ، لم يكن احداً يعلم ما يحدث بيننا نحن  الثلاثة عشر ضابطاً ، وكنا الوحيدين الذين نعرف ما يجري حولنا من احداث ، وفي كل مرة نعقد فيها اجتماع جديد كنا نزداد قناعة باننا يجب ان نستولي علي الحكم. ،الحكومات لا تفي بتعهداتها للشعب ، انها لا تعمل كما يريد المواطن السوداني ، لقد اصبح كل مواطن يشعر بعدم الاستقرار، اصبح غير مطمئن علي ماله و اسرته ، الرشاوي متفشية والفساد منتشرفي كل اجهزة الدولة ، إن  التصريح بدخول بضائع له ثمن وتصريح بخروجها ايضاً له ثمنه ، الساسة يباعون ويشترون ويغيرون مبادئهم حسب الاموال التي تدفع لهم ، ووجدت كل مواطن سوداني يريد تغيراً للموقف ، يريد ان يعيش ، ان الشعب يريد ثورة تنقذه من هذه الحالة انه يبحث عن  انقاذ شامل .

هكذا وجدت الثورة في الشعب ، انها ثورة من الشعب وله ، لقد كدنا نفقد كل شيئ حصلنا عليه باستقلالنا ولم يكن هناك بد من الحركة السريعة والتحرك لانقاذ الموقف ، ان الشعب هو الذي حدد موعد الثورة ونحن ما كنا الا منفذين له .

من النهار الي الليل

وهكذا بدأنا نفكر جدياً في في الثورة ، بدأنا في وضع الخطط لتنفيذ الانقلاب الذي يريده كل مواطن سوداني ويريده الشعب ،لقد كان النجاح مضموناً لان شعب السودان هو الذي يريد ثورة علي الاوضاع وقررنا اولاً ان ننقل الاجتماعات من النهار الي الليل .

قررننا ان نجتمع اربع ساعات علي ان يتم الاجتماع في مكتبي برئاسة القوات المسلحة مرتين في الاسبوع ، والمفروض ان جميع الضباط يأتون الي مكتبي دائماً ، كما اننا نجلس عادة في مكتبي بالليل كاصدقا ء  ، ولم يكن احد يشعر باننا نختار رئاسة الجيش لندبر فيها انقلاباً ، ان اجتماعات المنازل قد تثير الشك ولكن اجتماعاً في رئاسة الجيش وامام الجميع ، لا يمكن ابداً ان يكون وراءه ثورة ، بل علي العكس انه دائماً لاخماد  ثورة .

ولقد علمتني خبرتي في صيد الحيوانات ( فانا اهوي الصيد واصطدت عدة اسود وافيال وحيوانات اخري ) علمتني خبرتي انك تصطاد اسهل لو اتيت من أءمن مكان لفريستك .. ان الضربة في هذه الحالة تكون صائبة مائة في المائة لانك تأخذ الوقت الكافي لاعداد سلاحك وتصويبه ، بينما فريستك آمنة تترك لك هذه الفرصة .

وضعنا الخطة

واتفقنا علي الخطة كلها ، وضعت استعداداً لكل شيء ، وقدرنا كل الاحتمالات ، كان حساباً دقيقاً لكل ما يمكن ان يحدث ، وكل مانفعله للقضاء عليه ، ولم يكن وضع الاحتمالات غير المنتظرة في الخطة معناه اننا كنا ننتظر شيئاً ، فقد كنا نعلم ان الشعب سيرحب بخطوتنا لانها ثورة ، ولكن الايام وتربيتنا العسكرية علمتنا الا نترك شيئاً للظروف وان نحتاط للاسوأ ، فاذا حدث الافضل كان ذلك في مصلحتنا .

عقدنا اجتماعاً حاسماً في قيادة القوات المسلحة ، لقد حددنا في هذا اليوم تأريخ الانقلاب ، جعلناه 16 نوفمبر سنة 1958 وكان هذا اليوم هو اليوم السابق لافتتاح البرلمان ن وكانت امامنا الفرصة لنحرك قواتنا العسكرية كما نريد دون ان يشك في امرنا احد ن اننا سنتخذ من حجة افتتاح البرلمان ستاراً نخفي خلفه الغرض الحقيقي من تحرك القوات ، قررنا زيادة حامية الخرطوم ، وبدأنا في وضع الخطة التفصيلية لكل شيء ، حددنا الاسماء التي سوف تنفذ الاومر ، عدد الجنود والسيارات المصفحة والدبابات التي سوف نحتاج اليها في كل شارع ، الاماكن التي سنتولي حراستها لحماية الثورة .

 الفريق ابراهيم عبود .

أول قائــــــد عام وطنـــــي للجـــــيش الســـــــوداني

اللواء الركن الشيخ مصطفى يكتب:

نجتر هذه الأيام ذكريات واحد وستين عاماً تلك الذكريات عظيمة وتلكم الشخصيات النادرة وتلك المواقف الوطنية المشرفة التي وقفها أبناء السودان عندما حانت ساعة السودنة وقرب مخاض الاستقلال فكان هؤلاء الرجال عسكريين ومدنيين على قدر المواقف وعلى قدر المسؤولية وعندما نضع نحن هذه الدلالات العظيمة وهذا الإرث العظيم الذي جاء بعد تضحيات جسام وشهداء كثر إنما نرمي إلى المحافظة على هذا الإرث العظيم والتاريخ التليد الذي وصفه أولئك الرجال الأفذاذ وعليه يصبح المحافظة عليه فرض عين على كل سوداني وطني فأن الشعوب تعيش على تاريخها وتتكئ على موروثها الحضاري وما أعظم تاريخنا وما أعظم مروثاتنا وأعني في هذه المجال وأخص زملاء السلاح في القوات المسلحة والقوات النظامية وكل القادة على جميع المستويات نظامية أو خدمة مدنية وعلى المستويات من المسؤولين الذين يتحملون مسؤولية هذا الوطن العظيم وهذا البلد الأمين أن يحافظوا على هذا التاريخ المجيد والموروث الراقي والضخم الذي كون أمة السودان.

الحديث وفي هذه الأيام المعطرة التي نشتم فيها رياح السودنة وتعيين أول قائد وطني لجيش البلاد ١٤/٨/١٩٥٤ خلفاً للقائد العام الانجليزي الجنرال اسكوتز. الفريق أحمد محمد تلكم الشخصية القامة العسكرية الفذة التي يجهلها أبناء اليوم سنلقي عليها الضوء لترتبط في أذهانهم نبراساً يضئ الطريق أمام أعينهم.

ينحدر أحمد محمد من بطون جعلية وقد ولد بسواكن ١٨٦٩م.

تلقى تعليمه الأولي بمدرسة سواكن الإبتدائية نظام قديم وكانت وقت ذلك من المدارس القليلة المتميزة في أم درمان والخرطوم ومدني ورفاعة وبربر وحلفا والأبيض وسنجة والدويم والقطينة.

كان والد التلميذ أحمد يعمل في مدينة سواكن في شراكة مع عم الفريق إبراهيم عبود وهذا ما أدى إلى صداقات قديمة ومستمرة بين أحمد محمد وإبراهيم عبود منذ طفولتهما حتى وصلا إلى نهاية السلم العسكري.

انتقل الطالب أحمد محمد للخرطوم في أواخر ١٩١٥ للالتحاق بكلية غردون قسم الهندسة في عهد الجنرال ونجت حاكم عام السودان والقائد العام للقوات المشتركة بريطانية مصرية سودانية وعند تخرجه من كلية الهندسة التحق بالمدرسة الحربية المرحلة الأولى ضمن الدفعة الاحدى والعشرين والتي ضمت الطلبة الحربيين الآتية اسماؤهم.

أ. الطالب الحربي أحمد محمد

ب. الطالب الحربي أحمد المهدي

ج . الطالب الحربي المهدي عبدالرحمن

د. الطالب الحربي عبدالرسول وقيع الله

هـ. الطالب الحربي منصور رحمة

تخرج الملازم أحمد محمد ١/١/١٩١٧ في عهد السيرلي استاك حاكم عام السودان والقائد العام  للقوات المشتركة بريطانية مصرية سودانية وكان أول دفعته وقد حاز  جائزة الرماية وجائزة الرياضة.

نقل الملازم ثاني أحمد محمد الجعلي الى فرع الاشغال العسكرية بالوحدات المصرية (فرع التسهيلات) ومعه ابن دفعته الملازم ثاني أحمد الهادي عبدالرحمن حيث لم تكن هنالك وحدة سودانية وقد سبقه في الاشغال العسكرية البوزباشي عبدالله خليل والملازم أول فضل المولى التوم ولحق به في ١/٧/١٩١٨ الملازم ثاني إبراهيم عبود كما لحق به ١/١/١٩٢٠ الملازم ثاني الأمين حميدة العجباني والملازم ثاني عبدالرازق علي طه وفي ١/٧/١٩٢٠ لحق به الملازم ثاني عبدالرحمن الفكي وهذه هي المجموعة التي قام عليها سلاح المهندسين فيما بعد.

ظل الملازم ثاني أحمد محمد في الاشغال العسكرية حتى ترقى إلى رتبة الملازم أول وشهد في ١/١/١٩٢٥م إنشاء قوة دفاع السودان في عهد السير جفري أرثر حاكم عام السودان وفي عهد الجنرال هدلستون أول قائد عام لقوة دفاع السودان (ما ادراك ما قوة دفاع السودان) ولقد كان للصاغ عبدالله خليل واليوزباش فضل المولى التوم واليوزباشي أحمد محمد والملازم أول إبراهيم عبود شرف بناء الانشاءات العالية بالخرطوم لأول مرة مثل الحتانيه (المالية القضائية الآن) والزراعة والاشغال والدفاع (الآن وزارة الداخلية وقد استفاد اليوزباشي أحمد محمد خبرة طيبة في الوحدات الهندسية المصرية ومن بلك المهندسين الانجليزي.

نقل اليوزباش أحمد محمد إلى الحملة والتي كانت تعتمد على الجمال والحصين والبغال وقد لحق به في سلاح الحملة الملازم أول إبراهيم عبود حتى أصبحت الحملة الميكانيكة ١٩٤٢م ونقلت اليها عربات الفان وفي سلاح الحملة ترقى اليوزباش أحمد محمد إلى رتبة الصاغ وترقى الملازم أول إبراهيم عبود إلى رتبة اليوزباشي ١٩٣٦/٦/١ في عهد الجنرال فرانكلين القائد العام لقوة دفاع السودان وقد شهد الصاغ أحمد واليوزباشي إبراهيم عبود إنشاء سلاح الخدمة بواسطة القائمقام غردون أستوارت في الخرطوم بالقرب من كبري الحرية وحضر الصاغ أحمد محمد نقل سلاح الخدمة من موقعه الأول بالخرطوم الى الثكنات الشمالية ببحري موقع سلاح الخدمة الحالي ويعتبر الصاغ أحمد محمد واليوزباشي إبراهيم عبود أولين في تعلم سواقة العربات وميكانيكية السيارات وقد سبقهما الصاغ محمد جمعة واليوزباش محمد عثمان صالح أبو قاضي وهم في الأوائل الذين قامت على أكتافهم ورش النقل والإصلاح والنجدة خارج العاصمة في الأبيض سلاح الهجانة وفي القضارف أورطة العرب الشرقية وفي الفاشر أبو زكريا وأورطة العرب الغربية وفي توريت أورطة خط الاستواء وشندي في سواري شندي.  عندما قامت الحرب الحبشية الايطالية ١٩٣٩م اندفع قطاع قوة دفاع السودان لحماية الحدود الشرقية انتخب الصاغ أحمد محمد ومعه اليوزباشي إبراهيم عبود ومجموعة من ضباط سلاح الخدمة اليوزباشي إسماعيل سالم واليوزباشي عبداللطيف الضو واليوزباشي مامون المرضي والملازم أول عبدالسلام الزين هيبة والملازم أول إبراهيم محمد السميح والملازم أول يوسف حمد النيل الى الحدود الشرقية لدراسة الأرض ومعاونة القوات الصغيرة على الحدود وقد كانت فرصة طيبة لهؤلاء الضباط ورجعوا جميعاً ١٩٣٩م بعد أن هدأت الأحوال ولكنها ل تدم طويلاً إلا وقامت الحرب العالمية الثانية ١٩٤٠م بين دول المحور وبين دول الحلفاء وقامت القوات الايطالية باحتلال كسلا فاندفعت كل وحدات قوات دفاع السودان إلى الحدود الشرقية واندفعت كذلك بلكات سلاح الخدمة والبلكات السريعة وفي أثناء ذلك  في ١/٦/١٩٤٠م ترقى الصاغ أحمد محمد إلى رتبة البكباشى وترقى الآخرون إلى الرتب الأعلى حيث ترقى اليوزباشى إبراهيم عبود إلى رتبة الصاغ. لقد كان جهد البكباشى أحمد محمد في جبهة الشرق يفوق الخيال وقد أبدى شجاعة نادرة وقيادة حكيمة ومعرفة بالأرض حتى لحق به الملازم ثاني محمد أحمد التجاني في سلاح الخدمة ١٩٣٩ وفي ١٩٤٢م لحق به الملازم ثاني إبراهيم النور سوار الدهب والملازم ثاني أبو بكر فريد والملازم ثاني محجوب طه والملازم ثاني محمد عيسى وجميعهم من الدولة الحربية براءة الحاكم العام. لقد أبلى البكباشى أحمد بلاءً حسناً في معارك استرداد كسلا ومعارك بارنتو وكرن ومصوع وقد ذكر اسمه بالسيرة الحسنة تلك المعارك التي اصبحت ذكرى في ضمير الشعب السوداني وتاريخاً خالداً  لرجال قوة دفاع السودان مما أثار إعجاب القوات الأجنبية التي اشتركت معهم من إنجليز وهنود بعد الانتصارات الباهرة التي حققتها قوة دفاع السودان والانتصار الأول لدول الحلفاء على دول المحور في الشرق وارتفاع الروح المعنوية للشياطين السود (قوة دفاع السودان) ولتخفيف الضغط على قوات الحلفاء في شمال أفريقيا صدرت التعليمات من الجنرال بلات القائد العام لقوة دفاع السودان للتوجه إلى شمال أفريقيا ومساعدة قوات الحلفاء فشكلت قوات سودانية تحت قيادة الأميرالاي بروان وكان هذا أكبر تحد حيث الصحراء الغربية الواسعة الشاسعة فتقدمت القوات السودانية تحت مقدمة البكباشى أحمد محمد والصاغ إبراهيم عبود واليوزباشى عبداللطيف الضو واليوزباشى يوسف حمد النيل واليوزبباشى إبراهيم السميح والملازم أول محمد أحمد التجاني والملازم إبراهيم النور سوار الدهب ومعهم العقد الفريد من ضباط الصف الأشاوس الشاويش الأمين سعد الله والشاويش عثمان إدريس والشاويش صالح فرح والأمباشى سليمان محمد سلميان والأمباشى جمعة محمد أرباب والأمباشى محمد أحمد أبكر والأمباشى عثمان عباس ولقد ترقى هؤلاء جميعاً إلى رتبة الضباط عندما استلم الفريق أحمد محمد قيادة الجيش السوداني وفاءً وعرفاناً منه لهم. لقد كان على هذه الكنغوبات الميكانيكية أن تقطع الصحراء حتى الكفرة حيث كان السير بالبوصلة الشمسية فتظل القوات متحركة من شروق الشمس حتى غروبها حيث تركن للراحة ليلاً وقد استطاع البكباشى أحمد محمد والصاغ إبراهيم عبود وضباط سلاح الخدمة إيصال كل هذه القوة في الوقت المحدد وفي المكان المناسب وبسلام ولقد أذهل البكباشى أحمد محمد الإنجليز وعلى رأسهم الأميرالاي بروان بروحه العالية الجسورة وانضباطه العالي وملكته للغة الانجليزية تلك الصفات الحسنة والمتميزة وتوجيه الأميرالاي بروان والجنرال بلات الحق البكباشى أحمد محمد الى هيئة الأركان للجيش الثامن مع الجنرال مونتقمري شرف لم يصله أحد أجنبي وترقى البكباشى أحمد محمد إلى رتبة القائمقام في ٦/٦/١٩٤٧م وعين القائمقام أحمد بك محمد رئيساً أركان الفيلق الثاني عشر أي فخر أكبر من هذا توجت به هامة قوة دفاع السودان.

عاد القائمقام أحمد بك محمد إلى السودان وفي ١٩٤٧ نقل من سلاح الخدمة الى رئاسة قوة دفاع السودان مع الجنرال سكوتر القاذد العام لقوة دفاع السودان وكان القائمقام أحمد بك محمد قد حضر الجنرال واسكوتز القائد العام لقوة دفاع السودان الذي استلم منه الجنرال اسكوتز في ٢٦/٦/١٩٥٠م ترقى القائمقام أحمد بك محمد إلى رتبة الأميرالاي واستلم من الأميرالاي سليمان بك الخليفة عبدالله في يوليو ١٩٥١م وأصبح كبير الضباط السودانيين برئاسة قوة دفاع السودان و في ١٩٥٢م ترقى الأميرالاي أحمد محمد إلى رتبةseniorsudanese officer ونقل الى فرع شؤون الضباط تلك الوظيفة التي أعطته معرفة تامة بالضباط. واستلم اللواء أحمد باشا محمد قيادة الجيش السوداني من الجنرال اسكوتز في ١٤/٨/١٩٥٤م كأول ضباط وطني ينال هذا الشرف فأصبح عيداً لنا لأولنا ولاخرنا  حيث ترقى الى رتبة الفريق ومعه اللواء إبراهيم بك عبود قائد ثاني الجيش السوداني.

في ٢١ نوفمبر ١٩٥٤ تم تشكيل لجنة سميت لجنة تنظيم القوات وكانت كالتالي:

أ. اللواء أحمد باشا محمد رئيساً

ب. القائمقامعبد الرحمن بك الفكي عضواً

ج القائمقام كرول بك عضواً

هـ. البكباشي أحمد عبدالله حامد عضواً

و. البكباشي حسن بشير نصر عضواً

لقد لعب الفريق أحمد باشا محمد دوراً أساسياً في سودنة قوة دفاع السودان واسماها الجيش السوداني فكانت توجيهاته الرصينة لرؤساء اللجان العاملة في سودنة الجيش السوداني وطالبهم باختيار اكفأ وأنظف وأقوى الرجال لتحمل إدارة جيش البلاد الفتي وكذلك في لجان الخدمة المدنية خاصة المتعلقة بالمديريات الجنوبية لأن مديري المديريات هم المسؤولون عن الأمن وضرورة الحفاظ عليه في تلك الظروف الصعبة وفعلاً توصلت اللجان العسكرية المدنية في اختيار أحسن الرجال وأصلب الرجال وأكثرهم وطنية حتى جاءت السودنة مبرأة من كل عيب بفضل ذلك الرجل الوطني الجسور الدكتور عثمان أبو بكر ذلك الرجل المتفرد والمصادم للانجليز سقاك الله شأبيب الرحمة والغفران فقد كتبت تاريخك بمداد من ذهب.

كان القائمقام أحمد باشا محمد قد وعد الضباط وضباط الصف الكبار الذين خدموا معه في الحرب العالمية الثانية إذا استلم قيادة قوة دفاع السودان سيرقيهم جميعاً إلى الرتبة العليا. وكان فكره القوي المشبع بذات القيم السودانية الأصلية في المساواة العرقية والمنافي للعنصرية والقبلية كانه ينشد.

نحن في القومية النبيلة

وما بندور عصبية القبيلة

تربي فينا ضغائن وبيلة

تزيد مصائب الوطن العزيز

وهذا التفكير الجامح للفريق أحمد باشا محمد هو الذي اسهم وثبت قومية القوات المسلحة وخلق جواً من التعايش داخل القوات المسلحة ومساواة مطلقة في الحقوق والواجبات حيث لا لون يفرق ولا دين يعوق ولا قيلية تعوق طريق النجاح ففي ١٤/٨/١٩٥٤ قام بترقية سبعة ضباط من رتبة القائمقام الى رتبة الأميرالاي:

أ. الأميرالاي حسن بك جوهر

ب. الأميرالاي عبداللطيف بك الضو

ج. الأميرالاي إسماعيل بك سالم

د. الأميرالاي الأمين بك حميدة

هـ. الأميرالاي مامون بك المرضي

و. الأميرالاي محمد عثمان بك محمد

في ١٤/٨/١٩٥٤م قام الفريق أحمد باشا محمد بترقية أحدى عشر ضباطاً من رتبة البكباشى الى رتبة القائمقام.

أ. القائمقام أحمد بك عبدالوهاب

ب. القائمقام أحمد بك أبو بكر

ج. القائمقام محمد طلعت بك فريد

د. القائمقام أحمد بك عبدالله حامد

هـ القائمقام أحمد رضا بك فريد

و. القائمقام أحمد بك مجذوب البحاري

ح. القائمقام محمد بك نصر عثمان

طـ. القائمقام الخواض بك محمد أحمد

ي. القائمقام عبدالله بك الأمير إسماعيل

ك. القائمقام محي الدين بك أحمد عبدالله.

في ١/١/١٩٥٥ اعاد الفريق أحمد باشا محمد إلى الخدمة الموقتة الضباط الآتية أسمائهم:

أ. يوز باشى بلال إبراهيم القيادة الشمالية

ب. يوز باشى علي محمد علي القيادة الشمالية

ج. يوز باشى محمد علي أحمد الكودة القيادة الشرقية

د. يوز باشى عبدالله محمد مصطفى الهجانة

هـ. يوز باشى أحمد عبدالفراج القيادة الشرقية

١٧في ٢/١/١٩٥٥ اعاد الفريق أحمد باشا محمد إلى الخدمة المؤقتة الضباط الآتية أسمائهم.

أ. ملازم أول حسن مساعد الشمالية

ب. ملازم أول عبدالله بابكر الهجانة

ج. ملازم أول علي محمد الحاج سلاح الخدمة

د. ملازم أول عبدالله محمد عبدالرحيم حامية الخرطوم

و. ملازم أول محمد عبد الرحمن القيادة الشرقية ي. ملازم أول الصادق إدريس سلاح الخدمة

ز. ملازم أول عثمان أحمد القيادة الغربية

ح. الملازم أول محمد إبراهيم الشامي الهجانة  ط.الملازم أول أحمد علي دلدوم القيادة الشرقية

ي. هؤلاء ترقوا جميعاً إلى رتبة اليوزباشى في ٦/١٠/١٩٥٦

ك. بالتنسيق مع الجنرال اسكوتز القائد العام لقوة دفاع السودان قام اللواء أحمد باشا محمد بترقية ٤١ ضابط صف الى رتبة الملازم في ٢٩/٧/١٩٥٤م على رأسهم الملازم عمر حسن التوم والملازم أمين نمر 18/ قام الفريق أحمد باشا محمد في  1/1/1955م بترقية عشرة ضباط كوارتر ماستر الى رتبة الملازم وهي دفعة الملازم  ثاني صالح فرح عثمان والملازم ثاني الطاهر محي الدين.

قام الفريق أحمد باشا محمد في ١/٦/١٩٥٥ بترقية عدد ٢٦ ضابط صف الى رتبة الملازم ثاني دفعة الملازم بكري عبدالله والملازم محمد الباشا.

قام الفريق أحمد باشا محمد في التاريخ من ١/٩/١٩٥٥م باعادة القائمقام عبدالرحمن الفكي الى الخدمة برتبة الأميرالاي مستشاراً قانونياً.

وفي ٩/١٠/١٩٥٥ قام الفريق أحمد باشا محمد باعاد الصاغ النور خميس للخدمة في القيادة الشرقية برتبة البكباشى وفي نفس التاريخ أعاد الفريق أحمد باشا محمد الصاغ سليمان خير الله للقيادة الشمالية وفي ١/١٢/١٩٥٥م أعاد الفريق أحمد باشا محمد اليوزباشى طه الحسن طه واليوزباشى حمزة بشير نصر الى الخدمة. كل هذا كان جهد الفريق أحمد باشا محمد خطه ببراعه متمثلاً في قول الحق (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) صدق الله العظيم.

عندما قام التمرد المشئوم في توريت في ١٨ أغسطس ١٩٥٥م اتجه الفريق أحمد باشا محمد إلى جوبا ومعه السيد مبارك زروق ممثلاً للسيد رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري ومعهما السيرلويس السكرتير الإداري. وأصر الفريق أحمد باشا محمد القائد العام للجيش السوداني التقدم مع القوات إلى توريت ودخل توريت مع قوات الوطن الواحد التي كان يقودها الأميرالاي أحمد بك عبدالوهاب والقائمقام الطاهر بك عبدالرحمن المقبول وعقب الانتصار أمر الفريق أحمد باشا محمد أن يطوف على القوات في غرب الاستوائية التي كان يقودها البكباشى مقبول الأمين الحاج ومعه البكباشى مامون الفيل والبكباشى أحمد مختار جبرة ثم واصل السير حتى واو ببحر الغزال حيث استقبله القائمقام أحمد رضا بيك فريد ومعه الملازم أمين نمر والملازم نياتق ديور والزعيم الوطني الخالد سانتينو دينق والبجاويش المخلص الوحدوي اكيج ألون دغاور واو للخرطوم مرتاح البال لله درك سعادة الفريق أحمد باشا محمد فقد كنت الزاد والروح للقوات التي ثبتت الوحدة الوطنية.

تزوج الفريق أحمد باشا محمد شقيقة الفريق إبراهيم عبود وأنجب منها ولده الأول المهندس إبراهيم وقد سماه على اسم صديقه إبراهيم عبود أنجب ابنه الثاني العميد حسن أحمد محمد الدفعة الثانية عشر الكلية الحربية وتزوج الفريق إبراهيم عبود وأنجب ابنه الأول العميد أحمد الدفعة الخامسة عشر الكلية الحربية وقد سماه على صديقه الفريق أحمد محمد. لقد عاش الفريق أحمد باشا محمد في شرق السودان وأحب الشرق وأحب سنكان وبنى بها منزلاً وربطته صداقة حميمة مع السيد محمد طاهر باكاش ناظر سنكات وربطته صداقة قوية مع ناظر الهدندوة محمد الأمين ترك حتى ظن الناس أن أحمد محمد هدندوي.

كان الفريق أحمد باشا محمد قائداً عظيماً وعسكرياً فذ شديد الضبط والربط كان الفريق أحمد باشا محمد قمة من قمم القوات المسلحة السامقة امتاز برجاحة العقل وقوة البيان والمنطق وشجاعة نادرة وخلق كريم وأدب جم وعدل وحسم عليه سمة في الوقار والتدين وقوة في ملامح الوجه لا تستطيع أن تقرأ ملامحه وعيون كعيون الصقر بها فراسة نادرة لمعرفة الرجال تميز بها ذلك الجيل من الرجال في الخدمة العسكرية وفي الخدمة المدنية على حد السواء كان الفريق أحمد باشا محمد عفيف اليد واللسان لم تمتد يده إلى المال العام فقد مات فقيراً وترك سفراً خالداً يضئ كلما ذكر اسم قوة دفاع السودان أو ذكر اسم الجيش السوداني أو اسم القوات المسلحة وكان لسان حاله يقول:

أيها الناس نحن من نفر

عمروا الأرض حيثما قطنوا

يذكر المجد كلما ذكروا

وهو يعتز حين يقترن

 أهدي هذه الذكرى العطرة إلى اخوتنا رفقاء السلاح في القوات المسلحة ضباطاً وضباط صف وجنود في جيش البلاد المفدي وقد أكدت التجارب والخبرات أن قوة الجيش تكون في الاستقامة والخلق والعدالة والشجاعة والعلم والولاء والتدريب الجاد والتاريخ ولقد ترك لكم اخوانكم رفقاء السلاح السابقين إرثاً عظيماً وسفراً خالداً رووا أديم هذه الأرض بدمائهم الطاهرة وكتبوا تاريخ هذا الوطن مع رصفائهم المدنين بمداد من ذهب فأنتم من صلب هذا الشعب الأبي وهذا الإرث وهذا التاريخ وهذا السفرالعظيم أمانة في أعناقكم عرضاً وتراباً حضارة وتراثاً عقيدة ومعتقدات.

اليكم أيها العسكر والجند المفترشون الأرض الجالسون على الصفيح الساخن والواقفون على سنابل الحديد المتغطون بقبة السماء في كل خندق حتى خنادق الفداء أن يكون السودان فوق هامتكم وأن لا تسقط رأية من رأياته ولا سداً من سدوده ولا حداً من حدوده فأنتم بصريح العبارة أنتم السودان والعزة من قبل ومن بعد لله ولرسوله وللمؤمنين الصادقين.

نواصل

اللواء الركن الشيخ مصطفى يكتب: اللواء الركن خالد حسن عباس رجل الدولة الأول

اللواء الشيخ مصطفى يكتب

اللواء خالد حسن عباس رجل الدولة الأول

- ولد خالد حسن عباس بمدينة أم درمان ١/٣/١٩٣٦.11899861 917163675017389 4160447462212486704 n

- كل مراحله التعليمية الابتدائي والأوسط والثانوي العالي بأم درمان نظام قديم.

- عند انتهاء الطالب خالد حسن عباس من دراسته الثانوية بمدرسة أم درمان الأهلية ١٩٥٦م تقدم للالتحاق بالكلية الحربية وقبل الطالب

الحربي خالد حسن عباس بالكلية الحربية في مايو ١٩٥٦م وفي عهد الرئيس إسماعيل الأزهري وكان القائد العام الفريق أحمد محمد ونائبه اللواء إبراهيم عبود وكان قائد مدرسة المشاة الأميرالاي أحمد عبد الوهاب وقائد ثاني مدرسة المشاة والقائمقام الطاهر عبد الرحمن المقبول وكبير المعلمين القائمقام حمد النيل ضيف الله .. كان قائد الكلية الحربية البكباشي مقبول الأمين الحاج وقائد ثاني البكباشي أحمد مختار محمود والمعلمين البكباشي سليمان إبراهيم (أبو داؤود) والبكباشي أحمد حسن العطا

والبكباشي عثمان نصر عثمان والصاغات محمد الباقر أحمد وأبو الفتح الضوي وعمر بابكر الشفيع كان الملازم عبد الله شرف الدين (ملك البيادة) والصول شرف الدين بابكر والصول عبد الله عبد الجبار ثلة من الرجال الوطنيين المحترفين للعسكرية والمحبين لجيشهم ووطنهم فشرب الطالب الحربي خالد حسن عباس من تلك الروح الوطنية حتى تخرج برتبة الملازم ثاني في ١/١/١٩٥٨ وكانت هذه هي الدفعة العاشرة في الكلية الحربية التي تم تخريجها لأول مرة في دار الرياضة أم درمان.

- نقل الملازم ثاني خالد حسن عباس الى حامية الخرطوم التي كانت تحت قيادة الأميرالاي عمر محمد إبراهيم ونقل الملازم ثاني خالد حسن عباس الى البلك الثاني مدرع تحت قيادة الصاغ عبد البديع علي كرار ذلك الضابط الوطني المهموم بحب السودان فجنّده في تنظيم الضباط الأحرار في اللالاي المدرع تلقى الملازم خالد حسن عباس فرقة قادة بلكات مدرعة بالمملكة المتحدة و هو والملازم أول صديق حمد من الدفعة التاسعة الكلية الحربية في ١٩٦٠م تلقى فرقة تعليم الأسلحة الصغيرة بالسودان وفي ١/٥/١٩٦١ ترقى الملازم ثاني خالد حسن عباس الى رتبة الملازم أول وفي نفس العام بعث للمملكة المتحدة لتلقي فرقة تعلمجي مدفعية مدرعات نشط اليوزباشي في ١/٣/١٩٦١م واستطاع ضم عدد كبير من الضباط المتميزين الى تنظيم الضباط الأحرار اليوزباشي محمد عبد القادر وكيلاني الدفعة التاسعة ومن الدفعة العاشرة اليوزباشية عبد الرحمن حسن عثمان وسيد أحمد حمودي ومصطفى أورنشي وعلي علي صالح وفتحي كمبال وأحمد محمد علي اللورد وحمادة عبد العظيم وعثمان محمد أحمد كنب وزيادة ص الح ومأمون عوض أبو زيد وعبد القادر أحمد محمد وهكذا بفضل جهد اليوزباشي فاروق حمد الله الذي تم تجنيده لتنظيم الضباط الأحرار بوا

سطة اليوزباشي عبد الحميد عبد الماجد.

- كانت هناك مواقف وطنية وقفها اليوزباشي خالد حسن عباس في ثورة اكتوبر مع الضباط الذين رفضوا إطلاق الرصاص على الشعب وكانت القوات المسلحة رأس الرمح في ثورة أكتوبر وكانت حكومة أكتوبر التي تنكرت للقوات المسلحة وأحالت أعظم الرجال ونقلت أنبل الجال خارج العاصمة بحجة أنهم ثوريون وقد انحازوا الى جنب الشعب بعد استلام الأحزاب على الحكومة نقل اليوزباشي خالد حسن عباس الى القيادة الشمالية فوجد هناك قائد القيادة الشمالية الأميرالاي عمر الحاج موسى تلك القامة الشامخة من قامات القوات المسلحة فاحتضنه وأخطره بتعليمات القيادة بنقله للجنوب ونقل اليوزباشي خالد حسن عباس الى حامية أعالي النيل تحت قيادة القائمقام محيي الدين موسى وتولى اليوزباشي خالد حسن عباس قيادة البلك الثالث شمالية بمنطقة أكويو وقد قاد اليوزباشي خالد حسن عباس عمليات قوية وحاسمة خلقت استتاب الأمن بالمنطقة وقد أبدى وأظهر اليوزباشي خالد حسن عباس شجاعة نادرة مما جعل جنوده والضباط الذين خدموا معه يحبونه ويقدرونه ويسمعون تعليماته وينفذونها دون تردد حتى ترقى اليوزباشي خالد حسن عباس إلى رتبة الصاغ في ١/٥/١٩٦٥م.

بعد تولي الفريق الخواض محمد أحمد قيادة الجيش السوداني وبمجهودات ضباط عظام أرجع بعض الضباط الى وحداتهم القديم

1604874 611083665593440 559269186 n

ة وكان أن رجع الرائد خالد حسن عباس الى سلاح المدرعات مرة ثانية وكان قائد حامية الخرطوم العميد علي حسين شرفي ومعه القائمقام محمد فضل المولى التوم والعقيد تاج السر مصطفى والتقى في المدرعات بالعقيد جعفر نميري وعدد كبير من الضباط.. هذه هي الفترة الخطرة التي أصبح فيها تنظيم الضباط الأحرار يخطط للاستيلاء على السلطة وإزاحة الأحزاب في الحكم وكثرت اجتماعات الضباط الأحرار وكبر عددهم .. استطاع خالد حسن عباس تجنيد معظم ضباط الصف الكبار وتعين قائداً لمدرسة المدرعات وهذا ما أعطاه حرية في الحركة... اشتد نفس الثورة بين ضباط التنظيم وكثرت اللقاءات في منزل الصاغ أبو القاسم هاشم والصاغ سعد بحر بأم درمان وفي منزل الصاغ أحمد محمد علي اللورد وفي منزل اليوزباشي زيادة صالح الشيخ وكانت الاجتماعات

تتم بواسطة المجموعات وكل مجموعة لا تعرف الأخرى.. كانت هذه المجموعات بقيادة البكباشي جعفر نميري والبكباشي أحمد عبد الحليم والحقيقة وللتاريخ فقد أصبح فيما بعد روح التنظيم في يد الرائد أبو القاسم هاشم والرائد خالد حسن عباس والرائد فاروق حمد الله فكثرت منشورات الضباط الأحرار ودخلت مجموعات الضباط الأحرار كلها والذي وصل فيها عدد الضباط الى ما يقارب الأربعين ضابطاً وكان الحدث الأقوى هو انضمام الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم والرائد زين العابدين عبد القادر لتنظيم الضباط الأحرار وأصبحوا مع مجموعة خالد حسن عباس يشكلون مركز القوى في التنظيم لأنهم يملكون قوات تحت أيديهم، أصبحت الاجتماعات ساخنة والحديث الوطني فيها طاغياً بل الاستيلاء على السلطة أصبح الهدف الأوحد فبدأ الأختلاف يدب بين ضباط التنظيم ولكن أصبحت هنالك لقاءات أخرى بين الرائد خالد حسن عباس والرائد أبو القاسم محمد إبراهيم والرائد مأمون عوض أبوزيد والرائد زين العابدين عبدالقادر والرائد فاروق حمد الله وقد أصبح العقيد جعفر نميري يحفز هذه الاجتماعات عندما يحضر لها في جبيت وكان اجتماع الضباط الثلاثة عشر برئاسة العقيد جعفر نميري الحد الفاصل حيث بدأ مجموعة الستة العقيد جعفر نميري الرائد خالد حسن عباس والرائد فاروق حمد الله والرائد أبوالقاسم أحمد إبراهيم والرائد مأمون عوض أبو زيد والرائد زين العابدين عبدالقادر في تنفيذ الانقلاب لاستلام السلطة وكان هذا للحقيقة والتاريخ بإصرار الرائد خالد حسن عباس الذي كان رأس الرمح في التنفيذ وتم الاستيلاء على السلطة بهذه المجموعة والتي انضم إليها عند التنفيذ الرائد محجوب برير والرائد عثمان حسين أبو شيبة والرائد كامل عبدالحميد والرائد ميرغني العطا والرائد أحمد موسى والملازم أول سيد أحمد عبدالرحيم وانضم إليهم أثناء التنفيذ الرائد شاذلي مصطفى والنقيب عبدالستار عبد العظيم والملازم أول مصطفى أبو سنينة والملازم السر محمد بخيت وعندما بدأ الحديث عن ترشيح لقيادة البلاد فقد شملت الترشيحات اللواء أحمد الشريف الحبيب والعميد عمر الحاج موسى والعقيد مزمل سليمان والعقيد محمد الباقر أحمد حسم الأمر الرائد خالد حسن عباس بأن يقود البلاد الرجل الذي قاد الإنقلاب العقيد جعفر نميري فأصبح نميري رئيساً لمجلس الثورة وأضافوا إليه السيد بابكر عوض الله نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ثم إضافة المقدم بابكر النور والرائد أبو القاسم هاشم والرائد هاشم العطا هكذا أصبح الرائد خالد حسن عباس الرجل القوي في مجلس قيادة الثورة وتعين رئيس هيئة الأركان في الفترة من ٢٥ مايو ١٩٦٩ وحتى ٢٩ من مايو ١٩٧٠م بعد ترقيته الى رتبة العميد وفي العام ١٩٧٠ ترقى العميد خالد حسن عباس الى رتبة اللواء وتعين وزيراً للدفاع وقائد عام وفي ١/ ١٠/ ١٩٧٢م تقلد منصب نائب رئيس مجلس الثورة ونائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع والقائد العام.

-‫ هكذا بدأ الدور الوطني العظيم الذي لعبه اللواء خالد حسن عباس في خدمة وطنه السودان وفي خدمة القوات المسلحة وفي أول زيارة خارجية للواء خالد حسن عباس القائد فقد ضم الوفد :

- اللواء خالد حسن عباس رئيساً

- السيد عبدالكريم ميرغني وزير التجارة الخارجية عضواً

- السيد منصور محجوب وزير المالية عضواً

- السيد العميد صديق حمد مدير المصروفات والسجلات عضواً

- السيد السفير أحمد سليمان عضواً

- السيد العقيد عوض أحمد خليفة عضواً

- السيد العقيد بشير محمد علي عضواً

نزل الوفد بالقاهرة ليقابل اللواء خالد حسن عباس الرئيس جمال عبد الناصر في الطريق لروسيا للاستفادة من تجربة الرئيس جمال في التعامل مع الروس، شرح الرئيس جمال عبد الناصر طويلاً مراحل علاقته مع الروس وأخيراً قال له (يا خالد خلو بالكم طويل وما تزهجوا الجماعة ديل (يقصد الروس) لايتسارعون في تلبية طلبات الدول خاصة الرئيس بيرزنيف سكريتر الحزب الشيوعي ونيقوري رأس الدولة، كانت مفاجأة أن يسمع اللواء خالد حسن عباس هذا الحديث من الرئيس جمال عبد الناصر أقوى حليف للروس خارج نطاق حلفو وارسو، وصل الوفد موسكو وقابلوا الرئيس بيرزنيف  والرئيس بنقوري وقدموا طلباتهم وأبدوا تعاونهم مع الإتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية والتي كانت تعرف بالكتلة الاشتراكية.. ظل الوفد تسعة أيام في موسكو ولم تجاب طلباتهم غضب اللواء خالد غضباً شديداً وطلب من السفير أحمد سليمان مقابلة المسؤول عن القارة الأفريقية في وزارة الخارجية كان الأجتماع مع المسؤول الروسي وكانت مقابلة اللواء خالد له جافة جداً وقال له (نحن قوة ثورية جديدة في السودان وفي قلب أفريقيا وكنا ننظر إليكم باعتباركم قوة ثورية عالمية تدعمون الثورة العالمية وحركات التحرر الوطني .. ولكن أود أن تنقل الى مسؤوليكم الروس أن أجدادنا حاربوا المستعمر بالسيف والحربة ونحن غداً سنغادر الإتحاد السوفيتي الى ديارنا التي أنبتت الثورة انزعج المسؤولون الروس لهذا الحديث الخطير وخاصة السيد بروزنيف سكرتير الحزب الشيوعي وصدر قرار في نفس اليوم بإعطاء السودان كل طلباته من الطائرات المقاتلة والطائرات الناقلة وطائرات الهيلوكبتر ولواء من الدبابات تي ٥٥ وناقلات الجنود المدرعة والأسلحة الصغيرة والمتوسطة وقطع المدفعية وأسلحة ألم / د وكانت البندقية الكلاشنكوف الخفيفة التي تصلح لأعمال القتال في الغابات وفي المناطق المينية في طريق العودة تمت مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر فاستغرب وما صدق أن الروس وافقوا فوراً لتلبية طلبات السودان العاجلة حتى شرح له اللواء خالد حسن عباس ما دار معهم في حديث وصل خالد حسن عباس الى الخرطوم وتمت مقابلة رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة وشرح لهم اللواء خالد ما تم من أمر المحادثات مع الروس والنتيجة الإيجابية التي وصلوا إليها بعدما تفهم الروس موقف السودان الثوري وقوة وشخصية القائد العام السوداني وتقرر في هذا الاجتماع أن يقوم وفد الى الصين كذلك برئاسة اللواء خالد حسن عباس بعد فترة تم تشكيل الوفد من نفس الأشخاص الذين سافروا الى موسكو ما عدا السيد السفير أحمد سليمان وصل الوفد السوداني الى الصين وكانت مقابلة الصينيين للوفد السوداني في غاية الروعة والاهتمام وكرم الضيافة فقد تمت مقابلة الرئيس الصيني ماوتس تونق ورئيس الوزراء شؤن لاي ووزير الدفاع الصيني تحدث المسؤولون الصينيون بقدر كبير من الاحترام والتقدير عن السودان وأهله وقال الرئيس ماو(نحن ثلاثة وثلاثون (٣٣) سنة كنا نحاول اغتيال غردون الذي سفك كثيراً من الدماء الذكية الصينية ولم نستطع فقمتم أنتم في السودان بقتله ونحن والشعب الصيني جميعه نكن لكم المحبة والتقدير وطلباتكم هذه كلها هدية من الشعب الصيني لكم( دبابات، طائرات، أسلحة، عربات، ذخيرة وحتى ترحيلها من الصين إلى السودان مجاناً وعلى حسابنا).كانت هذه الطيبة التي وضعها الرئيس ماو ورئيس الوزراء شؤن لاي في العلاقات الصينية السودانية والتي أدت الى وقوف السودان مع الصين في المحافل الدولية وتصدى السودان للاعتراف في الأمم المتحدة بكوريا الشمالية فزادت أواصر الصداقة مع الصين حتى وصلت مراحل متقدمة.

٨ـ لقد كان للواء خالد حسن عباس مواقف كثيرة وطنية وصادقة فقد وافق على قبول ٧٠٠ طالب حربي للكلية الحربية ثم أعقبها بعدد وافر أرسل للقاهرة ثم عدد ٤٠٠ طالب حربي ليصبح عدد الضباط المتخرجين ما يقارب ١٦٠٠ (الف وستمائة ضابط) سدوا النقص في قيادة الفصائل المشاة ليس هذا فحسب ولكنه فتح الدراسات ككلية القادة والأركان والآكاديميات خارج السودان لقد ترك اللواء خالد حسن عباس مناقب كثيرة وأعمال جليلة في القوات المسلحة فقد اشترى خالد حسن عباس القائد العام المنطقة الموجودة الآن في شمبات بمنازلها ومزارعها بمبلغ ١٩ ألف جنيه (تسعة عشر ألف جنيه) وهي التي اصبحت منطقة المظلات شمبات وايضا اشترى الأرض التي تقع في شارع واحد وستين (٦١) في شارع محمد نجيب الى شارع المطار بمبلغ ١٨ ألف جنيه (ثمانية عشر ألف جنيه) في وزارة التعليم وقع على عقد البيع ذلك الرجل الشامخ محمد توم التجاني وهي المنطقة التي انتقلت الى كتيبة القيادة العامة تحت قيادة المقدم حمد عوض الكريم أبو سن، لو استقل اللواء خالد هذه الأراضي لنفسه لأصبح اليوم من أغنى الناس ولكنها الروح الوطنية دائماً تظلم صاحبها.

٩ـ تبوأ اللواء خالد حسن عباس مهام وزارية كثيرة تقلد منصب وزارة الصحة ١٩٧٦ ثم أصبح المشرف السياسي على مديرية دارفور ثم مساعد الأمين العام للمنظمات الفئوية ١٩٧٩ ثم تقلد منصب وزير النقل والمواصلات نوفمبر ١٩٨١ حضر اللواء خالد مؤتمرات كثيرة أهمها:

- مؤتمر الجامعة العربية ١٩٦٩ و ١٩٧٠.

- مؤتمر منظمة الدول الأفريقية

- مؤتمر القمة الأفريقية ١٩٧٥ كمبالا.

- مؤتمر القمة الطارئ ١٩٧٥ أديس أبابا

- مؤتمر التضامن والسلم العالمي موسكو ١٩٧٦.

- مؤتمر الصحة العالمية سنين ١٩٦٧،١٩٧٧، ١٩٧٨،١٩٧٩،١٩٨٠.

مؤتمر وزراء الصحة العرب ١٩٧٩.-

 تقلد خالد حسن عباس كثيراً من الأوسمة والنياشين:

- وسام ثورة مايو

- وسام النصر

- وسام الوحدة الوطنية

- وسام الشجاعة الطبقة الأولى

- وسام الشرف

- وسام ابن السودان البار

- وسام العلم الطبقة الأولى جمهورية المجر الشعبية

- وسام الحرية والاستقلال الطبقة الأولى جمهورية كوريا الشعبية

- الدكتوراة الفخرية في العلوم العسكرية أكاديمية ناصر العسكرية لانجازه مطار وادي سيدنا الحربي الذي أصبح يستقبل الطائرات التي سرعتها تفوق سرعة الصوت كما يستقبل الطائرات والقاذفات الثقيلة ولانجازه مخابئ الطائرات الحربية المصرية القاذفة بمنطقة وادي سيدنا ولابد من الإنصاف ذكر اللواء مصطفى جيش الذي كان له الفضل في التنفيذ فقد كان يعمل ثلاث ورديات في اليوم دون كلل أو ملل.

- عرفت السيد اللواء خالد حسن عباس عن قرب لمدة من الشهور عندما جاء محكوماً عليه بالسجن في زالنجي وأنا وقتها قائد كتيبة الحدود بزالنجي أقابله يومياً إما في الفطور أو الغداء أو بالليل كانت فترة ثرة فتح فيها اللواء قلبه لنسجل ذكرى عطرة لقائد شجاع ورجل دولة قوي أحب وطنه وقدم قواته المسلحة رغم كل هذه الوظائف القيادية الكبرى لم تمتد يده للمال العام كان حاسماً في اتخاذ القرار وشجاعاً في حسم الأمور أحب القوات المسلحة حباً شديداً لأنها هي التي خلقته فبسط علاقاته مع كل الجند والضباط يتحسس أوجاعهم ويحل مشاكلهم دون تردد والشواهد كثيرة على ذلك إذا كانوا من جرحى العمليات أو شهداء، توسعت القوات في عهده بصورة كبيرة وتمت ترقيات كثيرة في صفوفها حتى على مستوى القيادات العليا.

- يعرف قليل من الناس أن والدة اللواء خالد هي كانت زوجة الشهيد البطل الملازم سليمان محمد الذي حكم عليه بالإعدام في ثورة ١٩٢٤ التي قادها الشهيد البطل عبد الفضيل ألماظ ورفاقه الأبطال الملازم حسن فضل المولى والملازم سليمان محمد والملازم ثابت عبد الرحيم والملازم علي البنا والملازم سيد فرح ثلة من الضباط الوطنيين أحبوا سنة الجهاد في القوات المسلحة، فالملازم سلمان محمد كنزي تربطه صلة قرابة مع حسن عباس الكنزي كذلك فلما أعدم الملازم سليمان محمد كان كومر الحكومة يقف أمام المنزل بالجنود مدججين بالسلاح ليمنعوا إقامة سرداق العزاء تزوج حسن عباس أرملة الشهيد سليمان محمد وهي كنزية وقريبته وأنجب منها خالد وفاروق والملازم محمد حسن عباس الذي استشهد في بيت الضيافة في أحداث يوليو ١٩٧١م واتنين من البنات فلذلك سقت الوالدة خالد حسن عباس دروساً في الوطنية والشجاعة والإقدام فقد عاشت في قشلاقات توفيق وعباس وفي مركز ضربنار حيث الضباط الأوائل فيما عرف بعد ذلك بضابط قوة دفاع السودان فلا غرابة أن يخرج خالد حسن عباس كذلك فارساً من فرسان الجيش السوداني ويتبع نهج تلك الصفوة من الضباط الوطنيين.

- تزوج اللواء خالد حسن عباس السيدة آسيا عثمان حاج أحمد المقبول ابنة خالته عمها اللواء تاج السر المقبول أطال الله عمره وأبنه عم لأبناء الأمين حاج أحمد المقبول ميرغني والريح واللواء مقبول واللواء خالد والدكتور الصادق ومحمد الأمين وآل المقابيل وأنجب منها خالد أولاده محمد وعثمان وبناته سوسن وسمر وساره طبيبة بشرية وجميعهم أتموا الجامعة.. اللهم ياكريم يا رؤوف تقبل عبدك خالد قبولاً حسناً وأجعل البركة في أهله وعشيرته يا رب العالمين.

الأمير عبدالرحمن النجومي

ولد الأمير عبد الرحمن أحمد محمد عبد الرحمن محمد أدريس الشهير بالأمير ود النجومى بقرية مويس ريفى شندى عام 1854م وهومن قبيلة النافعاب وهي بطن من بطون الجعليين واضطرت عائلته للهجرة من قرية مويس ريف شندي بعد مقتل إسماعيل باشا فراراً من إنتقام الدفتردار، شب عبدالرحمن النجومي في بيئة متدينة وتعلم القرآن علي يد الفكي هاشم (صاحب قبة الفكي هاشم بالخوجلاب)، في إحدي رحلاته واثناء مروره بالقرب من الجزيرة ابا سمع بدعوة الإمام المهدي وبوجوده بالجزيرة أبا وفي رحلته الثانية وفي طريق عودته من الجنوب خرج إلى الجزيرة ابا حيث قابل الإمام محمد أحمد المهدي وبايعه وظل في رفقته وكان ذلك في أغسطس 1881م،هاجر بصحبة المهدى وخمسمائة من الأنصار إلي جبل قدير مكونين اللبنة الأولي في طريق الثورة المهدية.

حاز النجومي على إعجاب المهدي وثقته بعد أن عرف فيه المميزات القيادية التي يتمتع بها وكان نتاج ذلك تعيينه أميراً للأمراء وقائداً عاماً على جميع قوات المهدي في حصار الخرطوم وسقطت علي يديه، ثم أرسلة الخليفة عبدالله التعايشي إلي (بربر) ليتولي قيادة قوات المطاردة للحملة الإنجليزية ولكنه أستدعي للأشتراك في حصار سنار ولكنها سقطت قبل أن يصل إليها، تولي قيادة القوات في دنقلا إلا أن قيادته كانت محفوفة بالصعاب والمخاطر للتناقضات التي برزت في تكوين حملته منذ البداية للمعاكسات التي تعرض لها من قبل مساعد قيدوم ويونس الدكين، تولي قيادة القوات التي أعدت لفتح مصر وتقدم بها حتي أستشهد في واقعة توشكي عام 1889م، عن عمر لا يتجاوز الخمسة والثلاثين عاما.


أهـــم معــارك النجومـــي
معركــــة شيكـــان
كانت معركة شيكان في نوفمبر 1883م ، كان النجومي يقوم ويشرف على تدريس قواته على استعمال السلاح، وذلك منذ أن علم المهدي بتكوين حملة بقيادة الجنرال هكس وهدفها الأول والأخير القضاء على الثورة المهدية ، وكان تدريب الأنصار كثيفاً ومستمراً على استعمال السلاح الحديث الذي تم الإستيلاء عليه في حصار الأبيض إيماناً منه أن من أهم مقومات النجاح في المعركة التدريب الجيد، بعد ستة أسابيع من إبتعاد هكس من النيل وبعد أن ذاق الأمرين من قلة الماء، وإخلاء الأهالي لقراهم بجانب تأثير قوات أبوقرجة والتي تولي قيادتها فيما بعد حمدان أبوعنجة.
 نظمت خطة الأنصار حسب التسلسل الأتي:
أ. قصف حمدان أبوعنجة الليلي لكسر روح المقاومة في المربع قبل المعركة.
ب. مفاجأة كمين القوة العدائية لقوات هكس وإحداث الرعب.
جـ. الهجوم بثلاثة محاور بدءاً بالمحور الامامي فالمحور الأيمن فالمحور الأيسر.
سيـــر المعركـــة
بعد ليلة الاحد 4 نوفمبر 1883م التي عرفت بليلة حمدان أبوعنجة وبعد أن أرسل النجومي كمينه لعمل الخندق في طريق هكس تحرك النجومي بقواته قاصداً شيكان وكان ذلك في صبيحة 5 نوفمبر 1883م وعند وصوله قام بإعادة تنظيم الرايات وبدأ القادة في احتلال أماكنهم، في حين احتلت الراية الزرقاء بقيادة الأمير يعقوب الجانب الأيمن، كما احتلت الراية الخضراء بقيادة الأمير موسى ودحلو الجانب الأيسر . تقدم هكس بمربعاته الثلاثة البطيئة المثقلة في ليلة قاسية متقدماً المربع الأمامي في حين قاد علاء الدين باشا المربع الثاني واللواء حسين مظهر المربع الثالث.
 انتهت تلك المعركة الشهيرة بأقل خسائر للأنصار وهي (200 قتيل) مقابلها في الطرف الأخر (13.000 قتيل) أي بإنتصار قوات المهدية على قوات هكس وذلك كان له أثر كبير في مسار الثورة المهدية.
عبقريـــة النجومي في شيكان
كانت حنكته العسكرية في قيادة قوات المواجهة من الاأسباب المباشرة في هزيمة هكس والتي تمثلت في :
أ. وضعه الكمين في طريق هكس أدي إلى تحقيق المفاجأة وأدت بدورها إلي التعجيل بالنصر في أقل زمن وأقل قدر من الخسائر .
 ب. إستخدام الفرسان لأول مره بأعداد كبيرة لأختراق مربعات هكس الفولاذية.
جـ. قام النجومي بالتنسيق مع المربعات الثلاثة وتحكم في ضبط النيران والإختفاء فكان الهجوم منظماً وفق اولويات معينة وإنتشار تكتيكي كانت نتائجه الإنتصار السريع.
د. حافظ النجومي على قوة إندفاع قواته وإدخالها مكان المعركة وهي في كامل حيويتها، وقد كان لكل ذلك أثر كبير في تمزيق مربعات هكس.
هـ. نجح النجومي في العمل الإستخباري المضاد إذ تمكن من منع هكس من الحصول على معلومات عن قواته، والسبب ادى إلي تخبط هكس فغير خططه وتقدم معصوب العينين إلي حتفه.
حصار الخرطـــــوم
في صبيحة يوم 18 فبراير 1884م رست باخرة غردون باشا حكمدار عام السودان على رصيف الخرطوم، فإستقبله كبار الضباط وقناصل الدول الأجنبية والمشايخ والعمد أعيان البلاد ورجال الدين، فخطب بعجرفة ضباط المعهد الفكتوري (إني بمقتضي هذا المرسوم قد سميت حاكماً عاماً ومفوضاً على كل السودان لأنظر مافيه من مشاكل .... الخ)لقد سبق هذا المرسوم الذى أصدره الخديوي عن مهمة غردون بصورة عامة وذلك نسبة لتردد الديوان والخارجية الإنجليزية والمندوب السامي في الأمر وخوفهم على ارواح الجنود.
 وعندما وصل غردون الخرطوم أرسل لرؤسائه في مصر بتعذر إخلاء الخرطوم وأوضح انه لن ينصاع لأوامر الإستدعاء إلا بعد الإطمئنان على حياة الجنود والمدنيين الموجوديين بالسودان، ولذلك كان رأي غردون الإخلاء يتطلب عوناً خارجياً وعسكرياً وسياسياً إذا يريد حقن الدماء.
 إختيار المهدي لإستراتيجية الحصار كان نتيجة تجاربه في الأبيض وبارا وإدراكه بأن الهجوم المباشر سوف تكون نتائجه وخيمة نسبة للتسليح المتفاوت والفارق في العتاد وتدريب الطرفين.
 بدات قوات المهدية بقيادة الشيخ عبيد ودبدر في حصار الخرطوم في جبهتين وتلاه في أبريل 1884م محمد أبوقرجة أمير البرين والبحرين قادماً من الأبيض لتولى قيادة القوات العامة فاكتملت بذلك حلقة الحصار، وقد دارت بينه وقوات الحكومة بقيادة غردون معارك عديدة كان النصر فيها سجالاً بينهم بل وقد سجلت قوات غردون باشا إنتصارات عديدة على قوات الأنصار زعزعت ثقتهم في أنفسهم أحياناً كثيرة، ولولا قوة الدافع الديني لأنهارت قوات الحصار وتشتت شملها.
 بينما كان عبدالرحمن النجومي يقاتل المرتدين عن المهدية في جبل الداير صدرت له تعليمات الأمام المهدي بالتحرك فوراً إلي الخرطوم وتسليم القيادة العامة لكل القوات التي تحاصرها وكان في إمرته (1500) من المجاهدين و(5000) من العرب ومدهم بالأسلحة النارية وسماه أمير أمراء المهدية فوصل إلي منطقة الخرطوم في أول سبتمبر 1884م من الرهد وأختار مقر قيادته العامة في المنطقة جنوب إستحكام وسور الخرطوم وعلى بعد مناسب من النيل الأبيض وشمال حلة شجرة ماحي بك.
دبلوماسية النجومـــي
بعد أن اكمل النجومي استعداداته القتالية بدأ مرحلة عمل خليط من الدبلوماسية والحرب النفسية، وقام بارسال رسائل الى غردون وأخرى إلى أهالي الخرطوم متيحاً فرصة السلام المشرف المبني على ترك الدنيا والانشغال بالاخرة لكي يسلم اهلهم ومالهم حسب سياسة الثورة المهدية في الجهاد والترفع من الماديات ، فكان خطابه مختصراً وصارماً كالاتي : (اعلم انا ود النجومي أمير امراء المهدية وفاتح كردفان والداير وجئتك بجيوش لا طاقة لك بها ومدافع لا قدرة لك باحتمالها فسلم تسلم ولا تسفك دماء العساكر والاهالي بعنادك والسلام ) وقد كان رد غردون باشا على هذا الخطاب جافاً بقوله (لقد اطلعنا على خطابك وانا لست مباليا بك ولا بسيدك المهدي وسوف يحل بك ما حل بابي قرجة والشيخ العبيد ود بدر وخلى عنك شقشقة اللسان وكسر الهريات وجرب نفسك والسلام ) ، ورغم جفاء غردون ومطاولته واستفزازه سار النجومي في طريق له الى الاستسلام حقناً للدماء وقد سرب خطاباته بواسطة جواسيس المنازل واسواق المدينة في نفس الوقت الذي كانت قواته تطبق الخنادق عليهم وسد عليهم المنافذ املاً ان يحملهم الجوع على التدبير والعقلانية .
خطـــة الهجـــوم
شدد النجومي الحصار على المدينة بدقة واستمرت الاعمال العدائية واعمال القناصة ضد العدو يومياً وباستمرار وكانت المكاتبات جارية بين المهدي وغردون حتى كانت هزيمة الانصار في ابو طليح بواسطة حملة الانقاذ ويتبعها قرار المهدي بالهجوم العام وحدد لذلك يوم 26 يناير 1885م وقد كلف النجومي بدفع تنفيذ خطة الهجوم وكانت خطته تتلخص في تقسيم قواته الى قسمين رئيسيين كما يلي :
أ. القسم الاول: يتكون من حملة الاسلحة النارية والمدافع بقيادة محمد عثمان أبو قرجة وواجب هذا القسم ان يقوم بالانتشار على طول مواجهة الدفاع واستحكام واحكام الرماية بالاسلحة النارية والمدافع عليه في وقت الهجوم بقصد تثبيت كل قوات الحكومة في المواجهة وانشغالها بالكامل عن هدفها الحقيقي .
ب. القسم الثاني والرئيسي: يتكون من غالبية حملة الاسلحة البيضاء وعدد من الاسلحة النارية وواجب هذا القسم بقيادة عبد الرحمن النجومي نفسه هو اقتحام الثغرة على شاطىء النيل الابيض ومهاجمة قوات الحكومة في الاستحكامات من الخلف بعد أن يتم تشتيتهم بواسطة القسم الأول كواجب رئيسي وبعد اكتساح قوات الدفاع عن الاستحكام يقوم بالهجوم على الفلول داخل المدينة وتنظيفها واقتحام سرايا غردون لمنعه من الهروب بالبواخر على النيل .
أسباب سقوط الخرطـوم
قام النجومي بتنفيذ خطته بدقة وكفاءة منقطعتي النظير وفي منتصف ليلتي 25/26 يناير 1885م قام بتوزيع قوات القسم الأول بسرية وهدوء حتى أن المدافعين عن الاستحكام لم يشعروا بها وقد اتخذت مواقع على بعد أقل من (300)متر على طول خط الدفاع عن النيل الابيض وحتى النيل الازرق في نفس الوقت الذي كان يتم تجميع اكثر من 15 ألف مقاتل تجاه الثغرة الضيقة على شاطىء النيل والجميع في انتظار ساعة الصفر ، وقبل الفجر مباشرة فتح القسم الاول نيران مدافعة واسلحته على طول الاستحكام وبدأ المدافعون في الرد عليهم بكل امكانياتهم واحتياجاتهم وفي هذه اللحظة اندفع المهاجرون من القسم الثاني وعلى رأسهم عبد الرحمن النجومي مقتحمين الثغرة وابادوا القوات القليلة التي كانت تحميها وهرب الوابوران اللذان كانا في حمايةالثغرة الى عرض النهر وتدفق المهاجرون واكتسحوا قوات الاستحكام من الخلف وحققوا المفاجأة الكاملة وابادوا في أقل من ساعة قوات الحكومة بين النيل وحتى بداية كبرى المسلمية وتمكنوا من فتح هاتين البوابتين مما مكن قوات القسم الاول من المشاركة في المعركة والمساهمة في نهايتها العاجلة وكان أن انحدرت قوات الحكومة انحداراً كاملاً بعد ساعتين من الفجر وسقطت بين قتيل وجريح وهارب ثم اندفعت قوات النجومي نحو المدينة ثم تطهيرها في ساعات قلائل وأسر كل من بقي حياً بها وانتهت المعركة تماماً في ضحى ذلك اليوم ولم تخسر قوات النجومي إلا القليل جداً نتيجة لتحقيق عامل المفاجأة الكاملة وقوة اندفاع الاقتحام الكبير .
 في اثناء هجوم القسم الثاني اندفعت قوة صغيرة من قوات النجومي متفرقة في شوارع المدينة في سرعة شديدة قاصدة سرايا الخرطوم لإعتقال غردون باشا أو القضاء عليه وقد قتل اثناء المقاومة هو وحرسه الخاص في ظروف غير واضحة المهم أن رمز الحكومة  الأجنبي في السودان قد سقط أخيراً معلناً نهاية  الحكم وبداية مرحلة جديدة في تاريخ السودان.
النجومي وحملة الشمال
بعد ان تولي الخليفة عبدالله مقاليد السلطة بعد وفاة المهدي عمل كل ما بوسعه لتحقيق تطلعات المهدي واضعاً لذلك منهجاًَ متكاملاً وطريقاً واضحاً يسير على هديه في سياسته الداخلية وفي علاقته بالدول المجاورة لذلك أرسل في طلب ود النجومي الذي كان يعسكر في المتمة منذ فبراير1885م بعد مطارته الناجحة لحملة الأنقاذ واوكل إليه مهمة فتح سنار.
 غادر النجومي أم درمان في 26 نوفمبر 1885م ووصل بربر في 20 ديسمبر من نفس العام ولم يبارحها إلا في أكتوبر وبرزت من البداية عدة مشاكل وهي:
أ. عدم التجانس بين الحملة في تكوينها.
ب. مشكلة المؤن والإمدادات.
جـ. سوء المواصلات.
 إستمرت الإستعدادات لتحريك الجيوش نحو الحدود المصرية بالرغم من المجاعة التي ألمت بالبلاد عام 1889م والمعروفة بمجاعة (سنة سته) مما جعل الخليفة عبدالله يستعجل قيام الجيوش وقرر أن يكون تقدمها سرية بعد سرية، وطائفة بعد طائفة، وإجتمع يونس ود الدكيم بقادة سراياه ووضعوا اللمسات الأخيرة لخطة التحركات، وتم إختيار عبدالرحمن النجومي قائد السرية الأولي (سرية المقدمة) وذلك لما له من شهرة قيادية وسط الأنصار ولمعرفته التامة بالأعداء وخبرته الواسعة في كل معارك المهدية السابقة.
 واصل النجومي تقدمه حتى وصل معتوقة وهناك عسكر بها وقام بتقسيم جيشه الى ثلاثة أقسام وجعل عبدالحليم مساعد وكيلاً ومساعداً له وكان تقسيم الجيش كالأتي:
أ. القسم الأول ويشمل الجعليين والبطاحين بقيادة إبن أخيه أحمد البشير الآمين.
  ب. القسم الثاني وشمل الدناقلة والمولدين بقيادة عثمان أزرق .
جـ. لقسم الثالث ويشمل البقارة من حمر وهبانية وأولاد حميد ومسيرية بقيادة إسماعيل عبدالمجيد من أولاد حميد.
 كذلك إهتمت الحكومة المصرية بشكل خاص بأمر قواتها الموجودة على الحدود الجنوبية والعمل على تقويتها وأصبحت تزداد قوة إلي أن بلغت في عام 1889م ما يلي:     
أ. (12800)مقاتل .
ب. (950)     مقاتل .
  جـ. (250)     مقاتل .
د.  (400)     مقاتل .
 وتم توزيع هذه القوات على حاميات الحدود في آبا – المرات قاليب ، كركر ، أسوان ، حلفا ، حرص ، أرقين، وكانت قوات أسوان تمثل الإحتياط لهذه الحاميات.
معركة أرقين
 كانت قوات النجومي ترمي إلي ورود الماء في أرقين وكان ودهاوس متابعا لأخبار الحملة أول بأول فوصل قبلهم الي أرقين بباخرتين قوامها(2500)بالإضافة إلي (130) من الهجانة وثمانية مدافع والأورطة السودانية التاسعة عشرة والحادية عشرة وتم تحصين المدينة من إنتظار الحملة التي أعياها المسير عبر الصحراء وأنهكها العطش.
 أصدر ود النجومي أوامره بأن يتم فتح الطريق لجلب الماء وبإستخدام عبدالحليم مساعد لخور متصل بالنيل وصلوا للماء وشربوا وشربت الدواب وأخذوا كفايتهم من الماء وفي العودة قسمت القوة إلي أقسام أجنحة ميمنه وأجنحة ميسرة وقلب وتمكنت من إحتلال أجزاء من القرية وهنا دارت معركة عنيفة لطرد قوات ود النجومي من أرقين وكانت الخسائر جسيمة حيث بلغت (90) قتيلا وخمسمائة أسير وجرح معظم ما تبقي من القوة في حين خسائر الأعداء لم تبلغ إحد عشر قتيلاً وستين جريحاً .
 إنسحب ود النجومي جنوباً إلي تلال أرقين وفي اليوم التالي عقد مجلس أمراء للتشاور في الأمر فكان إقتراح عبدالحليم مساعد بالإنسحاب جنوباً لعدم تكافؤ المعركة بالإضافة إلي عدم وصول أي إمدادات من دنقلا إلا أن ود النجومي رفض الإقتراح وتهيج قائلاً (لن أعود محمولاً على الأعناق) بدأت الخلافات بين الأمراء تلوح في الأفق مما أثر سلباً على معنويات الجنود زيادة على آثار الهزيمة في أرقين وبلغت الخلافات حد رفض الأوامر،حيث رفض عبدالسلام بله ورود الماء وركن من الجيش  بل هرب ومعه عدد من رتبه نهائياً من المعركة وتناقل الناس أن ود النجومي يقود حملته إلي نهاية مؤكدة ، وهرب بعد عبدالسلام الكثيرون فكتب ود النجومي ليونس الدكيم واصفاً له حالة الجند من تعب ومرض وجوع وعدم تعاون من قبل الأهالي معهم وإنضمامهم للأعداء وهرب الكثير من الجند ونفذت الذخائر وطلب منه إرسال المدد بالذخائر على جناح السرعة ومدد بالرجال لا يقل عن (2000) رجل فما كان من ود الدكيم إلا أن كتب للخليفة واصفاً له الحالة وجدب المنطقة وأنه لم يستطيع إرسال أي نجدة لود النجومي الذي توغل في أرض العدو وواضح له عدم تعاون الكثير القبائل حوله.
 رغم كل هذه الظروف كان ود النجومي يصر على التقدم شمالاً وكان الجنرال جرانفيل يتابع أخبار الحملة أول بأول وإستقر الحال بود النجومي من بلائه في إنتظار المدد وعسكر ودهاوس بجنب الحملة على النيل يمنعهم من الماء وحضر الجنرال جرانفيل ورأى حالة الفارين من قوات ود النجومي فكتب له واصفاً حالة حملته وأمره بالإستسلام قائلاً له:(أن الخليفة أرسلكم للهلاك فإن تقدمت تجد جيش الإنجليز متعطشاً لدمائكم وإن عدت فقوات حلفا جاهزة لإبادتكم إن بقيت مكانك مت من العطش فلا أمامك إلا الإستسلام) ولكن ود النجومي إستقبل هذه الرسالة ببرود شديد وكان رده نابعاً من إيمانه وتصميمه ومهديته فرد على جرانفيل قائلاً:( ندعوك للإسلام ولا تعتمد على قوة جيشك وعتادك فإن الله سينصر عباده المؤمنين ) وطلب منه الإستسلام وكتب للخليفة شارحاً له ما حدث فبارك له الخليفه رده.
 قبيل تحرك ود النجومي من بلاده هرب كاتبه حسن الحبشي إلي معسكر ودهاوس ونقل معه صورة حية عن معسكر ود النجومي وإحصائيات مفصلة عن الحملة كانت على النحو التالي:
(2821) محارب ، (309) بنادق ، (132) جواداً ،(200) جمل ، (4000) من النساء والأطفال ، ووصول قوات النجدة بقيادة على ودسعد وكمين النور في 25 يوليو 1889م وهي تتكون من (500) مقاتل ، (3000) بندقية مع عدم حملهم لأي مؤن.
معركة توشكي
تحرك النجومي بعد وصول النجدة وتنظيم قواته في 28 يوليو 1889م قاصداً توشكي تاركاً وراءه الكثير من المرضي والجرحي الذين تعذر عليهم مواصلة السير ، وصل عبدالرحمن النجومي إلي تلال توشكي  وعسكر عند سفحها الغربي في أول أغسطس 1889م حتى يكون بعيداً عن نيران الأعداء التي كانت تطاردهم من النيل، وقد إنخفض تعداد الجيش إلي (3000) مقاتل، أما من الجانب الأخر فقد إنضمت قوات ود هاوس التي كانت تتابع النجومي إلي القوات المصرية بقيادة السردار جرانفيل وأصبحت قوة واحدة تحت قيادة جرانفيل وقد بلغ عدد القوات المعادية كما يلي:
أ. (500) من الفرسان الراكبة بقيادة اللواء كتشنر باشا.
ب. (240) من الطوبجية ومعهم 8 مدافع بقيادة القائم مقام وندل بك.
جـ. لواء مشاة ود هاوس قوة كل لواء (1500) جندي.
د. قسم طبي يتكون من (70) فرداً.
 في الثالث من أغسطس واصل النجومي تقدمه شمالاً قاصداً بلاده ولكن لواء كتشنر تصدى له فبادر النجومي بإطلاق نيران كثيفة على قوات كتشنر مما اضطره  إلي الإنسحاب خلف تلال كثيفة على بعد نصف ميل من جهة النيل ومن هناك بدأ في انزال النيران على قوات النجومي حاول النجومي تركيز هجومه على رئاسة القوات المصرية الراكبة والتى كانت بقيادة جرانفيل مما اضطر جرانفيل للانسحاب ورفع اللواء الآخر معززا بالطوبجية لمواجهة هجوم النجومي وبازدياد كثافة النيران على قواته اضطر النجومي لايقاف الهجوم الذي لم يحقق نجاحا وغير اتجاه قواته لجهة الشمال الغربي ولكن لواء كتشنر قد احتل ذلك الاتجاه فتصدى لقوات النجومي وتمكن من ايقافها وتقدمها من ذلك الاتجاه وبذلك اصبحت قوات النجومي شبه محاصرة.
 لما رأى النجومي أن قواته حصرت أن يقف وقفته الاخيرة فاختار منطقة منبسطة صف فيها قواته وجاعلا حملة البنادق فى الامام وخلفهم حاملي السيوف والحراب ووضع راتبه في تل خلف قواته وجعل النساء والاطفال والحملة فى مكان منخفض وراءه بعيداً عن النيران واستعد لمواجهة العدو ، قامت القوات المصرية بشن هجوم مركز على قوات النجومي فتصدت لها قوات النجومي وقاتلت قتالا شرسا لكنها لم تستيطع الصمود وتكبدت خسائر فادحة مما إضطرها للتقهقر والتفرغ بعد ان قتل عدد كبير من القادة ، كان القائد عبدالرحمن النجومي في تلك الفترة ببذل قصارى جهده لاعادة تجميع قواته وتنظيمها لمواصلة القتال فلاحظ ذلك جرانفيل فوجه له قوة راجلة للقضاء عليه وكان لها ما ارادت فسقط الامير القائد على الارض فصعدت روحه الطاهرة الى بارئها فحمله ملازموه على جمل وحاولوا الافلات به من قوات العدو الا انها لحقت بهم واستولت على الجثمان تفرقت بقية قوات النجومي بعد الهزيمة التي لحقت بها وانسحبت جنوبا تطاردها القوات المهدية.وقضت علي جزء كبير منها وقد إستشهد في المعركة غير المتكافئة من قوات النجومي حوالي (1500 مقاتل) على رأسهم الأمير البطل عبدالرحمن النجومي وبنهايته في توشكي بدء العد التنازلي لدولة المهدية في السودان.
أسباب الهزيمة
من خلال دراسة الحالة السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي سبقت خروج الحملة والوضع الإقتصادي الذي صاحب خروج الحملة يمكن تلخيص اسباب الهزيمة في الأتي:
أ. تكوين حملة عناصر عبدالرحمن النجومي من عناصر غير متجانسة مما أدي إلى ظهور خلافات القادة .
ب. عدم توفر المؤن والإمدادات مما أثر على فعالية الأفراد وأدي إلي خفض روحهم المعنوية.
جـ. قلة وسائل النقل في بداية الحملة وإنعدامها عند إحتدام القتال.
د. زيادة العبء الإداري بإصطحاب النساء والأطفال.
هـ. إنعدام الخدمات الطبية .
و. المكوث طويلاً دون أعباء واضحة زائد تعنت ود النجومي وعدم أخذه رأي الأمراء.
ز. التفوق الواضح للعدو في القوة والتدريب.
ح. عدم توافر المعلومات عن قوات العدو .
ط. مركزية إتخاذ القرار متمثلاً في الرجوع لأمدرمان قبل إصدار القرارات.
ى. ظهور المجاعة المعروفة بمجاعة (سنة ستة) عام 1306ه الموافق 1889م والتي أثرت تأثيراً كبيراً على إقتصاد البلاد. 
 الصفات الشخصية لعبد الرحمن النجومي:
أ. الشجاعة والثبات والإقدام وكانت هذه من خصال معظم رجال المهدية وخاصة قادتها.
 ب. الولاء المطلق للثورة المهدية .
جـ.  الصبر وقوة التحمل والشكيمة.
د. الحس العسكري المرهف وكان يجيد التخطيط للعمليات الهجومية ينفذ خططه بكل دقة وظهر ذلك جلياً في حصار الخرطوم ومعركة شيكان .
هـ. الروح العدائية والعمل التعرضي وحسم القتال.
و. التفاؤل والروح المعنوية العالية فكانت حرب الأعداء النفسية لا تهز منه شعره ومهما تراجعت حالة جنده كان على أمل في أن يتحسن الحال.
ز. الإنضباط العالي حيث إمتثل لأوامر الخليفة بتسليم قيادة حملة الشمال ليونس الدكيم وظل تحت إمرته.
ح. الإيمان الثابت والثقة التي لاتحدها حدود في الله تعالي ومبادئ وأهداف المهدية فكان الجانب الروحي مسيطرا عليه لدرجة كبيرة مما دفعه لإهمال كل حسابات النصر المادية في معارك الشمال.
 ط. انتصاراته السابقة منذ بداية الثورة وحتي سقوط الخرطوم أكسبته ثقة في نفسه زائدة عن الحدود دفعته للإستهانة والإستخفاف بالأعداء وإهمال الجانب الإستخباري بشقيه السلبي والإيجابي في حملة الشمال بعد أن كان يهتم به جداً في حصار الخرطوم وما سبقه من معارك.
 ى. عدم الاهتمام بروح جنوده المعنوية ولقد ظهر ذلك جلياً في حملة الشمال.
 ك. عدم الاهتمام بالنواحي الإدارية والإعتماد علي الموارد المحلية دون وضع نظام ثابت لإمداد الجيش.
 ل. كان عنيداً لايستمع لمشورة الآخرين في أغلب الأحيان ويصر على رأيه حتى وإن كان على غير صواب مما كلفه كثيراً.