السلام

 

رغم أن الواجب الرئيسي للقوات المسلحة في مناطق العمليات هو  المحافظة على الأمن  و الاستقرار ،حماية المواطنين والتصدي لقوات التمرد الا أنها لم تلغ تقديراتها الحلول السلمية لمشكلة الجنوب ،فالقوات المسلحة هي الفيصل المكتوي بنار الحرب وويلاتها  ونتائج الحرب وآثارها . هذا بالإضافة إلى إن القادة والضباط الذين يعملون في مناطق العمليات يعايشون الواقع الفعلي في مناطقهم ويعايشون ما يعانيه المواطنون خاصة كبار السن والنساء والأطفال ،وهؤلاء كانت القوات المسلحة تقف معهم وتساعدهم وتقوم بحمايتهم ،كل هذه العوامل جعلت القوات المسلحة تقوم بعمل مزدوج احد أطرافه تحقيق الأمن والاستقرار والطرف الثاني إقرار السلام والتنمية .

يمكن إرجاع دور القوات المسلحة في جهود السلام إلى عام 1955 م عقب حوادث تمرد الفرقة الاستوائية بتوريت . فبعد سيطرت القوات المسلحة على الموقف وكسر شوكة التمرد وجه رئيس الوزراء (آنذاك ) إسماعيل الازهرى نداء للمتمردين الفارين لتسليم أسلحتهم كما قام الحاكم العام بإجراء مماثل .وفى هذه الفترة قامت القوات المسلحة بجهد مساعد لهذه النداءات حيث قامت وبصورة فعالة وبمساعدة السلاطين بتوزيع المنشورات التي تخص المتمردين لتسليم أسلحتهم . غير إن الدور الريئسى للقوات المسلحة جاء بعد تسليم المتمردين لأنفسهم وسلاحهم فقد تحلى رجاله بأقصى درجات ضبط النفس وعدم اللجوء إلى العنف والانتقام وذلك رغم الأعمال الوحشية التي ارتكبها المتمردون ضد المدنيين من النساء وأطفال وضد العسكريين ،كما اتسمت تصرفات القادة بالحنكة وممارسة أقصى ضروب الضبط والسيطرة على جنودهم . وقد أشاد الحاكم العام بهذه التصرفات المتميزة وذلك في خطاب شكر أرسله للقائد العام للقوات المسلحة (1) .

في الفترة الستينات قامت القوات المسلحة بإنشاء قرى السلام وحمايتها مما جعل إعدادا كبيرة من المواطنين تلجا إليها .وهذه الفترة هي التي عاود فيها قادة التمرد نشاطهم بعد إطلاق سراحهم . بالإضافة إلى هذه القرى كانت القوات المسلحة تقوم بتوزيع كافة إشكال العون الذي يصل من الحكومة لسكان هذه القرى (2) .

العائدون من حركة التمرد كانوا دائما يلجئون إلى مواقع القوات المسلحة حيث يعاملون معاملة كريمة ويقدم لهم الغذاء والكساء كما تقدم لهم الحماية حتى يصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم بالعمل في الزراعة أو اى موقع آخر (1) .

بالإضافة إلى حماية المواطنين كانت القوات المسلحة تقدم خدمات أخرى لهم . ففي المناطق التي لا توجد بها مستشفيات مدنية كانت القوات المسلحة تقدم خدماتها الطبية للمواطنين الموجودين في مناطقها ، وقد رصدت حالة فريدة في حامية غرب الاستوائية (مريدي ) في نهاية الستينات حيث اتصل "حكمدار " احد النقاط الخارجية برئاسة الحامية طالبا إخلاء مريض مدني حالته خطرة .ولم تكن برئاسة الحامية آنذاك سوى عربة واحدة تركت احتياطيا حيث إن كل العربات خرجت في مهام مختلفة . ورغم ذلك خاطر ركن عمليات الحامية وأرسل العربة للمريض والذي تم إخلاؤه وإنقاذ حياته (2).

المواطنون الذين تضطرهم ظروفهم للتحرك لأي موقع بالجنوب كانوا يجدون عونا من القوات المسلحة والتي كانت تسمح لهم بركوب عرباتها خاصة في المناطق التي لا تتحرك إليها الأطراف التجارية .

حاميات القوات المسلحة كانت تشارك المواطنين احتفالاتهم خاصة أعياد الميلاد ، حيث كانت تنظم منافسات رياضية بجانب منافسات آخري مفيدة . وكان ضباط هذه الحاميات يقومون بشراء الهدايا للفائزين . الأمر الذي يكون له وقع حسن المواطنين ويزيد من فرحتهم بهذه المناسبة (3).

ثورة 17 نوفمبر 1958 م

ترسب في أذهان الكثير من السودانيين إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي حكم البلاد من نوفمبر 1958 م وحتى أكتوبر 1960 م قد تبنى الخيار العسكري لحل مشكلة الجنوب ولم يقدم أية مبادرات لحل المشكلة سلميا . وهذا الاعتقاد خاطئ ساهمت في ترسيخه المعارضة الشمالية والجنوبية بجانب النشاط الكنسي المعادى للبلاد والمرتبط بالإعلام الاجنبى . وكانت كل هذه الجهات تثبت دعاية مفادها إن المجلس الأعلى يرسخ الحل العسكري لمشكلة الجنوب. غير إن الواقع يؤكد عير ذلك فقد قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعدة خطوات نحو حل المشكلة سلميا كما قيل مبادرات قدمها مواطنون سودانيون بينما قدم المجلس نفسه بعض المبادرات .

يمكن إجمال الجهود السلمية التي قام بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الآتي :

منذ استيلاء الجيش على السلطة في 17 نوفمبر 1958 م أعلن الفريق عبود العفو العام عن الذين شاركوا في حوادث توريت عام 1955 م وفروا إلى مناطق آخري بأسلحتهم داخل وخارج البلاد (1) .

في عام 1963 م تم إطلاق سراح أكثر من ستين شخصا من قادة التمرد ومعاونيهم والذين شاركوا في الحوادث وتمت محاكمتهم. وكان على رأسهم الملازم تفنج لادنقى احد قادة التمرد . ولكن هذه المجموعة عادت بعد فترة إلى صفوف التمرد  (2).

قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة مذكرة قدمها د.محي الدين صابر تضمنت دراسة للأحوال السياسية والاقتصادية والانثروبولجية للجنوب كما تضمنت توصيات على طريق الحل السلمي للمشكلة . وكانت من أهم التوصيات وضع خطة تنمية اقتصادية واجتماعية للجنوب ، إنشاء جهاز متخصص للمناطق المختلفة ، الاتصال بدول الجوار التي بها لاجئين وحثها على إعادتهم لبلادهم ، الاهتمام بالمسائل الإفريقية وتامين الحركات الوطنية ، إبعاد الجنوبيين عن نفوذ الإرساليات وإنشاء شبكة قومية للمعلومات (3) .

بعد قبول المذكرة شرع المجلس الأعلى في تفيدها الا إن غياب العمل المنظم والتنسيق بالإضافة لبطء العمل الديواني أعاق تنفيذ هذه التوصيات (4) .

إنشاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة جهازا يعمل على ربط وتنسيق الوحدات الحكومية ومنحه بعض الصلاحيات . و تم على ضوء ذلك تكوين لجنة لتطوير الجنوب في 1963/1/19 م بناء على توصية وزير الداخلية اللواء محمد احمد عروة.ضمت اللجنة وكلاء وزارات الداخلية، الخارجية والمالية، مدير الأركان حرب العام، مديري الوزارات الحكومية ومدير مجلس التنسيق. ونسبة لطبيعة تكوين اللجنة من مسئولين حكوميين يقضى تفرعهم كاملا لها فلم تتمكن اللجنة من انجاز مهمتها  .

اقتراح وزير الداخلية اللواء مجمد احمد عروة أعادة تشكيل لحنة وكلاء الوزارات من هيئة أعلى من تكوينها الأول على إن تقوم الهيئة الجديدة بالآتي:

أ . دراسة مشكلة الجنوب دراسة شاملة لكل جوانبها مع استبعاد دعاوى الفيدرالية أو  الانفصال.

ب. إزالة مشكلة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الشمال والجنوب . إشاعة الثقة  والتفاهم بين المواطنين بهدف تعميق الوحدة الوطنية ونشر الوعي القومي (1) .

نسبة لازدياد نشاط الخارجين عن القانون في نهاية عام 1963 م فلم تتمكن الحكومة من تنفيذ مقترح وزير الداخلية حيث أنها انشغلت بمواجهة النشاط المعادي (2).

في عام 1962م قدم وزير الداخلية اللواء محمد عروة مذكرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة تتعلق بإصدار قانون للعفو العام . وقد وافق المجلس على مذكرة العفو العام واصدر وزير الداخلية القانون في 1963/3/2م . و قد شمل العفو جميع الجنوبيين الذين حوكموا أو حكم عليهم غيابيا والذين لا يزالوا مطلوبين للمحاكمة عدا جرائم القتل (3).

في نهاية سبتمبر 1964م جرت اتصالات بين وزير الداخلية ( آنذاك ) اللواء محمد عروة وبين سلطان منطقة ياي والذي هرب إلى شرق الاستوائية. وجرت هذه الاتصالات عن طريق أحد القناصل السودانيين بالخارج (4) .

كما تم الاتفاق على عقد اجتماع بكمبالا بالتنسيق مع وزير الداخلية اليوغيدى وكذلك كخطوة تنسيقيه لوضع الترتيبات اللازمة لعقد اجتماع مع زعماء التمرد خارج البلاد ،وكان من المقرر أن يزور وزير الداخلية اليوغندى السودان خلال احتفالات نوفمبر 1964 م غير إن إحداث أكتوبر 1964 م حالت دون استكمال هذه الاتصالات (5) . في سبتمبر 1964 شكل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لجنة سميت باللجنة القومية لشئون الجنوب وكانت مكونة من خمسة وعشرين عضوا برئاسة احمد محمد يسن وذلك في محاولة لحل مشكلة الجنوب .

وقد كلفت اللجنة بدراسة الأسباب التي أدت إلى عدم الوفاق بين الشمال والجنوب ورفع توصيات تتعلق بكيفية إعادة الثقة بين الطرفين وإعادة الأمن والاستقرار دون المساس بالهيكل الدستوري وبمبدأ الحكومة الواحدة (1) وقد ترتب على ذلك الموافقة على قيام الندوات والمحاضرات وسمح للمواطنين بالتعبير عن آرائهم حول مشكلة الجنوب . وقد قاد النقاش إلى إن حل مشكلة الجنوب يكمن في زوال الحكم العسكري وعودة الحياة الديمقراطية . وهذا جعل الحكومة تعدل عن رأيها وتحظر هذه الندوات والاجتماعات .

-          فترة مايو 1969-1985م

بعد أسبوعين من استيلاء القوات المسلحة على السلطة في25 مايو 1969م أعلن العقيد ا.ح جعفر محمد منيري رئيس مجلس  قيادة الثورة عن سياسة المجلس تجاه مشكلة الجنوب في بيان 9يونيو 1969م وقد أكد البيان الاعتراف بوجود فوارق تاريخية وثقافية بين الشمال والجنوب طالب بقيام اشتراكية ديمقراطية في الجنوب تضع يدها على الحركة الثورية في الشمال لتحقيق الأهداف التقدمية وحتى تتمكن الحركة الديمقراطية في الجنوب من تولى زمام السلطة . ودعا البيان المواطنين الجنوبيين الموجودين بالخارج للعودة والمشاركة في بناء الوطن (1)

بعد صدور البيان شرع مجلس قيادة الثورة في العمل على شرح السياسة الجديدة للجنوب داخل وخارج البلاد  فسافر وزير الجنوب إلى يوغندا في يوليو1969م قام رئيس مجلس قيادة الثورة بطواف على المديريات الجنوبية .حيث دعا إلى السلامة الاقتصادية وطالب المتمردين بإلقاء السلاح والعودة للبلاد . كما أعلن عن تمديد فترة العفو العام من أكتوبر 1969م إلى أكتوبر 1970م إلى أكتوبر 1971م نتيحه لهذه السياسة ارتفعت إعداد العائدين للجنوب من أهم الانجازات التي حققها العسكريون في هذه الفترة هي توقيع اتفاقية أديس ابابا للسلام في مارس 1972م وقد ساعدت ثلاثة عوامل على نجاح الاتفاقية هي :

-       وجود قيادة متناسقة وموحدة لكلا الطرفين ، قيادات في موقف يمكنها من تقديم التنازلات الضرورية

-       قبول الحكومة المركزية للتفاوض مع الذين مارسوا القتال المسلح

-       اشتراك الوسيط الذي كان في موقف يمكنه من التأثير على الطرفين (3) القيادات التي أشار إليها نبلوك هي قيادات عسكرية حيث كان على رأس السلطة في الشمال وعلى رأس المعارضة في الجنوب عسكريون تخرجوا في كلية حربية واحدة ويفهمون لغة البعض هذا أدى إلى التقارب بينهم وتوصيلهم إلى السلم .

-       فترة المجلس العسكري الانتقالي 1985م-1987م

بعد انحياز القوات المسلحة لجانب الشعب السوداني واستيلائها على السلطة في 6 ابريل 1985م بقيادة المشير الركن عبد الرحمن سوار الذهب . و بعد اكتمال تشكيل المجلس العسكري الانتقالي قدم المجلس مبادرة إلى قيادة التمرد للجلوس والتفاوض لحل مشكلة الجنوب سلميا. وعدم قادة التمرد بالرد على مبادرة المجلس عبر مدينة الناصر وقد وصل الرد إلى مدينة الناصر بعد عدة أيام ثم أرسل بلاسلكي إلى ملكال ثم إلى الخرطوم وذلك بعد أسبوعين من إطلاق المبادرة . وكان الرد سلبيا لا يتماشى مع صدق نوايا المجلس العسكري الا نتقالي .وكان اخطر ما صاحب هذا الرد هو استغلال  فترة إرسال الرد في التقرب من الناصر وحصارها (1).

خلال فترة المجلس العسكري الانتقالي بدأت القوات المسلحة في الاتصال ببعض القيادات العسكرية الجنوبية الرافضة للحرب التي انطلقت مرة أخرى في عام 1983 م.وقد استجاب عدد من هؤلاء القادة لمبادرة القوات المسلحة الرامية إلى تحقيق السلام والأمن والاستقرار وكان و كان هؤلاء القادة ينتمون لمناطق غرب النوير وقد أدت استجابتهم إلى استقرار المنطقة وعودة المواطنين لممارسة حياتهم الطبيعية في جو آمن (2).

-     فترة ثورة الإنقاذ الوطني

بادر مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني إلى إعلان إن احد أسباب قياد الثورة هو حل مشكلة الجنوب ثم اتخذ المجلس خطوة أخرى بإعلان العفو العام عن كل حاملي السلاح ودعوة المعارضين للعودة إلى البلاد جرت بعد ذلك اتصالات مع حركة قرنق وعقدت اجتماعات مع قياداتها في نيروبي أغسطس 1989م وأديس ابابا أغسطس 1989م نيروبي مرة أخرى في نوفمبر، ديسمبر 1989م تحت رعاية الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر، وألمانية (فرانكفورت) في يناير 1992م .

أكثر الخطوات أهمية كانت إصدار مجلس الثورة لقرار بانعقاد مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام وقد انعقد المؤتمر في الفترة من 9 سبتمبر 1989م. وكان المؤتمر قد كون ست لجان فرعية تحسست كل جوانب مشكلة الجنوب ، وهي لجنة الخلفية التاريخية ، لجنة المعالجات السابقة لجنة بحث أثار ونتائج الحرب لجنة خيارات الحلول لجنة الإعلام ولجنة التوثيق رفع المؤتمر توصيات إلى السيد رئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني في يوم الختامي للمؤتمر وهو 21 أكتوبر 1989م وذلك في احتفال رسمي وقد قدمت التوصيات بكل القضايا المهمة المرتبطة بمشكلة جنوب السودان .

علي رأسها الاعتراف بالتنوع الثقافي وإعتماد خيار الحكم الاتحادي اقتسام السلطة ، التوزيع العادل للثروة ، علاقة الدين بالدولة وهوية الدولة (22) أجاز مجلس الوزراء هذه التوصيات وأعتبرها برنامج الحكومة للتفاوض من أجل الوصول إلي السلام .

في نوفمبر 1994م أصدر رئيس الجمهورية قرار تكوين المجلس الأعلى للسلام برئاسته وعضوية تسعة وثمانين آخرين وتولي المجلس الأوضاع المهمة بتحقيق السلام وقد ضم المجلس ممثلاً للقوات المسلحة وذلك اعترافا بدورها .

بادرت بعد ذلك حكومة نيجيريا وأبدت استعدادها باستضافة مفاوضات السلام وبعد موافقة الطرفين عقدت الجولة الأولي من المفاوضات في 24 مايو 1994م بأبوجا وقد تم الاتفاق علي عدد من النقاط إلا أن الحركة تنصلت عن الاتفاق ثم عقدت المباحثات التمهيدية لأبوجا الثانية في أبريل 1993م ثم تلتها الجولة الثانية 26 أبريل 1993م وقد تم التوصل إلي إتفاق حول قسمة الثروة والسلطة وبدأ التحضير للصياغة النهائية والتوقيع علي الاتفاق وللمرة الثانية تتنصل حركة قرنق بإدخالها لشروط تعجيزية أدت إلي إعاقة التوقيع علي الاتفاق (1) .

مع نهاية ولاية الرئيس بابا نجيدا لم يكن من الممكن مواصلة نيجيريا في وساطتها ولهذا انتقلت بعد ذلك مفاوضات السلام إلى منظمة الإيقاد وذلك بطلب من الرئيس السوداني . وقد بدأت أول جولة من المفاوضات تحت مظلة الإيقاد في نيروبي في الفترة من 17 _23 مارس 1994 م أعقبها جولة أخرى في الفترة من 17 _20 مايو 1994 وثالثة في الفترة من 19 _29 يوليو 1994 م. وفي كل هذا الجولات لم يتم التوصل إلى اتفاق عير إن باب المفاوضات ظل مفتوحا واستمرت المفاوضات على فترات متباعدة(2). غير أنها توقفت ثم بدأت مرة أخرى في عام 1998م .

بينما تواصلت المفاوضات مع حركة قرنق بالخارج واصلت القوات المسلحة جهودها نحو السلام من الداخل .فمنذ بداية التسعينات انتقلت القوات المسلحة بجهودها نحو ولاية أعالي النيل ، ومناطق شمال وشرق الاستوائية . وكانت النتائج كبيرة جدا . وتعتبر القوات المسلحة سابقة في هذا المجال فقد عملت لوحدها وحققت نجاحات باهرة . وقد سخرت القوات المسلحة كل إمكانياتها الاتصالات والإمداد . كما خصصت جزءا من ميزانيتها لهذه الجهود (3). وكلها كانت في نفس الوقت تقوم بواجبها الاساسى وهو الذود عن الوطن وترابه وحماية المواطنين وتحقيق الاستمرار لهم . وقد قدمت القوات المسلحة الشهداء على طريق السلام مثلما قدمت الشهداء في مناطق العمليات .

استمرت القوات المسلحة منذ بداية التسعينات في تأسيس وحماية قرى السلام وقد بلغ عدد القرى التي أسستها القوات المسلحة حتى عام 1995م ست وخمسين قرية في منطقة الاستوائية . وقد تعاملت القوات المسلحة بمستوى عال من التسامح مع المواطنين وأصبحت تقوم بدورين امني وخدمي (1) في مناطق العمليات خاصة في ولاية أعالي النيل حيث توقفت بعض المدارس بسبب الموقف الأمني وعدم وجود مدرسيين قامت القوات المسلحة في أعادة فتح هذه المدارس وصار الضباط يقومون بالتدريس والإشراف وذلك وفق المنهج الذي أعدته وزارة التربية والتعليم وقد تلاحظ إن المواطنين كانوا يعترضون على غيار القوات التي كانت تدير مدارسهم ويطالبون ببقائها معهم (2).

تعتبر القوات المسلحة الأكثر ريادة في مجال سلام الداخل حيث نجحت في التوقيع على سبع اتفاقيات مع الفصائل الرافضة للحرب ممثله في القبائل والمناطق . وكان آخرها اتفاقية الناصر مع قبيلة النوير بقيادة د. رياك مشار رئيس حركة استقلال جنوب السودان والتي وقعت في 1 مارس 1996م وأصبحت في وقت لاحق اتفاقية الخرطوم للسلام . وكان للقوات المسلحة الدور الأعظم في هذه الاتفاقيات حيث تمكنت من الوصول إلى القادة العسكريين والمدنين لهذه القبيلة . كما شاركه القوات المسلحة في صياغة الجوانب العسكرية للاتفاقيات . وقد انضم لهذا العمل الشهيد المشير الزبير محمد صالح . للاتصالات واللقاءات التي تمت كانت محفوفة بكثير من المخاطر والتي تعرض لها المشاركون فيها . غير أنهم لم يبالوا بهذه المخاطر و واصلوا اتصالاتهم حتى تكللت مساعيهم بالنجاح.

انضمت مجموعة بحر الغزال لاتفاقية الناصر وتم التوقيع على ميثاق سمي بالميثاق السياسي في ابريل 1996م بحضور السيد رئيس الجمهورية بالقصر الجمهوري وقد وقعت الميثاق الحكومة، حركة استقلال جنوب السودان بقيادة د. رياك مشار مجموعة بحر الغزال بقيادة كاربينو كوانين .

في وقت لاحق انضمت للميثاق السياسي مجموعات أخرى هي اتحاد الأحزاب الإفريقية السودانية، قوة دفاع الاستوائية، مجموعة بور، ثم مجموعة جنوب السودان المستقلة. و قد تمت صياغة الميثاق السياسي في اتفاقية وقعت عليها الأطراف المذكورة أعلاه  مع الحكومة 21 ابريل 1997م في احتفال رسمي وبحضور رئيس الجمهورية وسط حضور عربي و إفريقي وعالمي. وقد حملت الاتفاقية اسم اتفاقية السلام.