التنظيم

مر السودان عبر التاريخ الطويل بعدد من الدويلات والممالك إنتظمتها نوعيات مختلفة من التنظيمات العسكرية التي كان وجودها ضرورة لحماية الثروات الهائلة لظاهر الأرض وباطنها والتي شكلت موضع مطامع للجوار وغيرهم أن هذه الخبرات مع وجود مقاتلي الأرض ثباتا وقوة وذكاء من الأمة السودانية بقبائلها المتباينة كان أيضا شاهدا على مهددات ترمى إلى اكتساب هذه البشرية الجبارة إلى صفها حماية لأغراضها ومصالحها .
المقاتل السوداني منذ فجر التاريخ له أدبه وقيمة في النزال وإدارة المعارك فمهنية الحرب عنده ضرورة حتمية لأبد منها وذلك لطبيعة تركيبة المجتمع والبنية الأساسية لنسيج التواصل فجاءت النتيجة وحصيلة التجارب شعوبا عدة متباينة تحمل من الثقافات قدرا ومن مهارات الحرب فنيا ومن التطلع ولاكتساب دراية .
عرف السودانيون القتال من زمان طويل ووضعوا له من التنظيمات العسكرية مايناسب طبيعة الأرض والمهام واستطاعوا أن يشكلوا بعدا مهما للتاريخ العسكري في هذا المضار وسخروا في التاريخ كل الأرض من أخشاب وحديد ومعادن أخرى لصناعة السلاح ليمدوا تنظيماتهم العسكرية بالآلة العاتية المميزة وقد تدرج التنظيم تبعا لتطورات الحياة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن قوة متنامية مبنية على إرث تاريخي طويل وعميق وعبر خبرات وتجارب ثرة .
مفهوم التنظيم:
يستند التنظيم على مفهوم وضع القوى البشرية العسكرية داخل وحدات في آلية عمليا بحيث تتوفر لهذه الوحدات قدرة على القتال عند حالات الثبات  والحركة وذلك من خلال إسنادها بمعينات النقل والنيران والخدمات من صيانة واصلاح وعناية طبية وحماية أرضية وجوية وبالتالي يكون هناك ما يعرف بسلسلة القيادة التي تحرك كل هذا الكم الهائل والمتباين في الحالة النفسية والمعنوية والفكرية عبر سلطات قيادية محددة .
تاريخ التنظيمات العسكرية السودانية :
تدرج تنظيم القوات المسلحة السودانية عبر التاريخ تبعا لتطور مفاهيم القتال وتطور تقنية الحرب ونوعية المهددات الماثلة والمستقبلية والحالة العلمية للمواطنين مع زيادة الإمكانيات والقدرات الاقتصادية والاجتماعية وقد حدث هذا التدرج كما يلي :
إعتمد التنظيم في مملكة كوش المروية على الأفراد المتطوعين في القتال وهى تنظيمات مؤقتة لأغراض أنية يزول التنظيم بزوالها اى أن التعبئة العامة لسبب ما هي التي لها أثر على نوعية التنظيم انذاك وتشكل القوة في فرق كل قبيلة وضمنها أقسام لرماة الأقواس والمشاة والفرسان  وقد عرف تنظيم قوات مملكة كوش المشاة الثقيلة والمشاة الخفيفة حسب طبيعة التسليح والمهمة .
جاءت بعد ذلك الممالك المسيحية (المقرة وعلوه) ولم يختلف التنظيم عما سلف واعتبر كل ذكر في الدولة جنديا يستدعى للتنظيم القتالي إذا استدعى الحال .
عند طهور دولة الفونج بدأ العمل بنفس  أسلوب ممالك كوش وما تلاها حتى طهور ما يعرف بجيش الرقيق والذين كانوا يجلبون من مناطق نائية ويتسمون بالقوة  والولاء المطلق كان يعتمد  على كل قرية باعتبارها وحدة تنظيمية قتالية ذات اعتبارية شخصية منفردة لها قائد عسكري ومسئول أمام السلطات وقدراتها و كفاءتها القتالية وكذلك ظهرت الاحترافية العسكرية وبدا تدريب القوات على أسس معينة تتعلق بالمواقف والإمكانيات .
وقد ظهر تنظيم الفرسان في هذه الدولة الذين انقسموا داخل التنظيم إلى خيالة خفيفة وأخرى ثقيلة كما ظهرت وحدات النيران .
بطهور دولة الفور ظهرت أنواع جديدة من التنظيمات اعتمدت في أساسها على الفرسان المدرعين الراكبين على الخيول ويحملون السلاح والدروع كتنظيم يعتمد عليه في القتال بإلاضافة إلى وحدات منتظمة من الرقيق وبدأت فكرة الجيوش النظامية تتبلور شيئا فشيئا .
ادخل محمد على باشا بدخول السودان نوعا جديدا من التنظيم العسكري للقوات اعتمدت على الجهادية التي ضمن الاورط ووحداتها الفرعية ولذلك أسهم في تطور  التنظيم العسكري في السودان .
تنظيم قوة دفاع السودان :
اعتمد تنظيم القوة العسكرية في هذا العهد على تغطية المناطق المختلفة بمديرياتها وكان التجنيد يتم من مواطني المناطق واتسم  التنظيم بالعملية حيث كانت تخصص له ميزانية مالية معينة ويعتمد على تنظيمات الاورط والبلكات وكان لكل منطقة مركز غالبا ما تكون اكبر مدينة في المنطقة وقد عرف التنظيم حينها رئاسة للجيش وفروعها الخاصة بالأركان حرب . الإدارة ، المصروفات والسجلات ،  وحدات فنية كالهندسة ، الطبي ، التعليم والنقل والصلاح ، المدفعية التعيينات، وقوات الرديف  التي تنظم لمهام معينة وقد ادخلت في التنظيم السواري والبياده الراكبة وعرفت الرتب داخل التنظيمات .
أنظمة قوة دفاع السودان في الرئاسة بالخرطوم وخمس مناطق هي المنطقة الوسطى
( الأبيض ) ، المنطقة الشرقية (القضارف ) ، المنطقة الغربية ( الفاشر ) ،وتسمى فرقة العرب الغربية ،المنطقة الجنوبية  (توريت) وتسمى فرقة خط الاستواء وكانت قيادتها من البريطانيين فقط ، المنطقة الشمالية ورئاستها الخرطوم ، أما رئاسة القوات فكانت تتألف من  أركان حرب مركز الرئاسة وأركان حرب المسارح والأركان حرب الفنيين ، هذا فقد كونت قوات الاحتياطي من الضباط والجنود المتقاعدين خوفا من تنظيم أنفسهم وإحداث قلاقل وكذلك لإيجاد قوة في متناول اليد عند الحاجة .
فترة ما بعد الاستقلال :
بعد سودنة الجيش في 14 أغسطس عام 1954م وانتقال قيادته لاياد سودانية كان إجمالي قوته آنذاك يتراوح بين 6الى 7 آلاف فرد مكونين القيادات المختلفة ولكل قيادة رئاستها الخاصة بما يعادل رئاسة لواء أو كتيبة زائد ، وكانت هذه القيادات موزعة طبقاً للتوزيع الإداري البريطاني وكانت كالآتي :
أ.        القيادة الوسطي أو فرقة الهجانة تتكون من كتيبة زائد .
ب.      القيادة الغربية أو فرقة العرب الغربية وتتكون من كتيبه زائد.
جـ.      القيادة الجنوبية أو فرقة خط الاستواء  وتتكون من كتيبة زائد.
د.       القيادة الشرقية أو فرقة العرب الشرقية وتتكون من كتيبة زائد .
هـ.      كتيبة مدفعية 25 رطل .
و.       سرايا المهندسين من 2- 3 سرية .
ز.       سرايا إدارة من 2 – سرية.
بعد اكتمال سودنة الجيش وقبل أن يقف علي رجليه اندلعت حادثة التمرد اندلعت بخط الاستواء لذا أرسلت قيادة الجيش بعض الوحدات من الشمال لقمع تلك الحركة ورغماً عن الدور الكبير الذي قامت به تلك القوات إلا أن الجيش لم  يكن بمقدوره القيام بكل هذه المهام الجديدة في الدفاع عن حدود الوطن الشاسعة وحماية وحدته واستقلاله بوضعه الذي تركته عليه السلطات البريطانية قبل الجلاء لذا كان لابد من إجراء عملية تحديث واسعة يجئ في مقدمتها زيادة القوة البشرية في الجيش .
عقب حوادث التمرد في الجنوب عام 1955م تم تجنيد أعداد مناسبة في القوة كما فتح الباب لإعادة الخدمة للذين سبق أن أنهوا خدمتهم عقب الحرب العالمية الثانية وكونت نتيجة لذلك بعض الكتائب الإضافية التي ألحقت بالقيادات المختلفة حتي تلك الفترة كان تسليح الجيش قاصراً علي الاسلحه والمعدات التي كانت تعينه علي أداء دوره القاصر علي حماية الأمن الداخلي فقط .
لقد مرت القوات المسلحة  في تطورها التنظيمي بعدة مراحل موجزها في الآتي :
المرحلة الأولي عام 1958م كان لأبد من السعي في تكوين القوة المدرعة والقوة الجوية كخطوة أساسية لترفيع وتطوير القوات المسلحة  لذ فقد شرع في تكوين هاتين الوحدتين وتم دمجهما ضمن حامية الخرطوم التي أنشئت عقب جلاء القوات الإنجليزية وتم تكوينها بالنقل إليها من الوحدات السالفة الذكر ولم يجند المشاة لحامية الخرطوم كان القصد من تكوين حامية الخرطوم حماية العاصمة المركزية وفي ذاك العام أنشئت القيادة الشمالية في شندي علي نمط القيادات السابقة مكونة من رئاسة كتيبتي مشاة وعليها يمكن أن نقول أن التطور الذي حدث في تلك الفترة تمثل في إنشاء حامية الخرطوم ، القيادة الشمالية ، السلاح الجوي والذي بدأ بأربع طائرات تدريب مهداة من الحكومة المصرية والقوات المدرعة والتي بدأت ببعض العربات المدرعة المهداة أيضاً من مصر .
في مطلع عام 1960م زودت القوات المدرعة بالعربات صلاح الدين والكوماندو كما زود السلاح الجوي بطائرات التدريب (الجيت بروفوست ) وأنشئت ثلاث كتائب مشاة ألحقت علي القيادات الموجودة ضمن خطة تكملتها إلي اللواء مشاة وفي هذه الفترة بلغت قوات الجيش السوداني حوالي 30ألفا .
المرحلة الثانية 1960 – 1962م بدأت هذه المرحلة عقب توقيع الحكومة السودانية لأول إتفاقية تسليح مع بعض الدول الغربية وأنشئت علي ضوء ذلك ثلاث كتائب مشاة لكل لواء وأنشئت في هذه الفترة النواة الأولي لسلاح البحرية .
المرحلة الثالثة عام 1967م إلي 1969م بعد نهاية حرب الخامس من حزيران 1967م واتجهت الأنظار لسوق السلاح الجديد وكان إن أبرمت إتفاقيات عدة مع الإتحاد السوفيتي زود بمقتضاها الجيش السوداني بمعدات وأسلحة شرقية في مقدمتها الدبابات (ت 55) وكونت أول كتيبة مدرعات من القوات المدرعة كما شملت الإتفاقية الدفاع الجوي ومدفعية الميدان وتم تدريب عدد من الضباط والصف ليكونوا النواة لهذا المجال .
المرحلة الرابعة 1969 – 1970م تعتبر هذه الفترة حقيقة هي فترة تطوير القوات المسلحة إذ تم عبرها توقيع إتفاقيات عديدة مع دول الكتلة الشرقية لتزويد القوات المسلحة بأحدث المعدات تبع هذا التطور إعادة تنظيم القوات المسلحة من جديد ولأول مرة أدخلت التخصصات المختلفة كما تم تكوين القوات المسلحة وفقاً لأسلحة المعارك الحديثة المشتركة التي شملت القوات البرية
والبحرية والطيران والدفاع الجوي كما أعيد تنظيم القيادة العامة وأبرز سمات هذا التنظيم
ما يلي :-
-       قسمت القيادة العامة لهيئات وأفرع مع تحديد المهام لكل هيئة ولكل فرع من إدارة وعمليات وتدريب .
-        أختصرت تسمية الجيش علي المشاة والمدرعات وأسلحة الإسناد الأخرى والتي تم تنظيمها في شكل كتائب مدفعية وكتائب احتياطي القيادة العامة وقد زودت هذه الكتائب بالمدافع الهاوتزر 120م م  إضافة للمدفع 105م م .
-        رفعت قوات المهندسين إلي اللواء وتم تزويدها بكل المعدات الحديثة .
-        زودت وحدات الإشارة بأحدث نظم الإتصال التي تؤمن الإتصال لكافة الوحدات في السلم والحرب وذلك من خلال الكتيبة الإستراتيجية .أكملت مرتبات النقل إلي كتائب تعادل في قوتها اللواء.
-        أنشئت وحدات الصيانة والإصلاح لأول مرة في القوات المسلحة كما أضيفت لها المعدات والآليات وأخذت مكانها ضمن القوات المسلحة مركزاً وفي الميدان .
-        القوات  الجوية وسعت وزودت بالطائرات الاعتراضية واعيد تنظيمها إلى نقل ومقاتلات بالأسراب ووحدات نقل تكتتيكى وطائرات هيلكوبتر .
-        الدفاع الجوى نظم لتحقيق الأهداف الحيوية ولإستراتيجية وزود بأحدث أجهزة الإنذار والتوجيه .
المرحلة الخامسة 1971م إلى 1983م . وفى عام 1972م اثر تحسين العلاقات مع الغرب تمت أعادة التنظيم بإدخال تنظيم الصيانة والإصلاح والخدمة الوطنية التي كانت تسمى التجنيد الإجباري وفى 1977م وأعيد التنظيم مرة أخرى لبعض التشكيلات وصدر قرار بفصل قوات الجوى لتكون قوة رابعة للقوات المسلحة ، في عام 1982م تم تفعيل فرع الإحصاء العسكري بإدخال نظام الحاسوب ، في عام 1983م تم تكوين كتائب مستقلة للعمليات عاكف وأخيرا عرفت بكتائب حرس البترول .
المرحلة السادسة 1985م إلى 1989م . تمت مراجعة تنظيم القوات المسلحة بغرض  التطوير وإزالة التشوهات وأوجه القصور وأدخلت بعض التشكيلات والإدارات الجديدة ، شهدت هذه الفترة مولد كل من إدارة المرافق الإستراتيجية ، المساحة العسكرية وإدارة المتاحف
العسكرية .
المرحلة السابعة 1989م الى2004م . في هذه الفترة عملت القيادة على تلافى سلبيات الفترات السابقة المتمثلة في ضعف التسليح والإمداد وقلة العدد وعدم الاهتمام الكافي بأمور القوات المسلحة وابرز ما تم انجازه  تمثل في الأتي :
أ-        تم أنشاء هيئتين جديدتين بالإضافة لهيئات القيادة العامة الموجودة أصلا وهما هيئتا التدريب والتوجيه.
ب-      تم ترفيع إدارة الاستخبارات العسكرية إلى هيئة الاستخبارات .
جـ-      شهدت الفترة  من 1990م إلى 1997م أنشاء عدد (66) لواء مشاة وفني وحوالي (8) فرق مشاة .
هـ -     تكوين لواء راجمات لأول مرة بالسودان .
و-       تم أنشاء العديد من الأفرع و(أدارت)  الجديدة التي تتبع للقيادة العامة مثل فرع المعاهد والكليات .
ز-       عام 1998م أعيد النظر في مواقع انفتاح التشكيلات واستخدم نظام العمل بالمناطق وأنشئت مناطق جديدة مثل منطقة المجلد وغرب النوير .
جـ-      تم التصديق بإنشاء الكتائب الطبية التي  تتبع للمناطق العسكرية وكذلك مراكز المناطق والفرق مثل مركز تدريب  الديسة .
ط-      تحديث قاعدة كوستى النهرية وتبعيتها للقوات البحرية .
ى-      في مجال الإهتمام وترقية التدريب تم إنشاء الكلية البحرية ، كلية الدفاع الجوي وأكاديمية كرري للتقانة، وكما تم إعادة وتأهيل مدرسة ضباط الصف بجبيت ، بالإضافة لذلك ترفيع كلية القادة والأركان وتسميتها إلي كلية القادة والأركان وأصبحت لها أجنحة متخصصة برية ، وجوية ، بحرية ودفاع جوي .
ك .     تم إنشاء بعض الشركات المتخصصة لإمداد القوات بالاحتياجات التموينية الضرورية وظهرت المصانع المختلفة سواء في مجال الأغذية ، المهمات ، الأدوية والتصنيع الحربي .