الإثنين02272017

Last updateالإثنين, 27 شباط 2017 9am

النشأة والتاريخ

مقدمة

منذ بدء الخليقة بدأ الصراع بين الإنسان في تعامله مع الطبيعة ثم أنتقل هذا الصراع لاحقاً بين الإنسان وأخيه الإنسان وأصبح الصراع منذ ذلك الحين سمة المجتمعات البشرية والقوة احد عوامل تكوين هذه المجتمعات.

والسودان يمثل جزءاً من وادي النيل والذي يعد من أقدم مناطق التجمعات البشرية ومركزاً للإشعاع الحضاري قامت فيه وعبر تاريخه الطويل ممالك عظيمة ، واصطرعت على أرضه قوى عديدة أثرت في تحديد مساره الحضاري والثقافي والسياسي والعسكري.

عرف السودان تكوين الجيوش منذ القرن الثامن قبل الميلاد وقامت فيه و اشتهرت على النطاق العالمي كالمملكة الكوشية والمروية القديمة التي ظهرت بين القرن الثامن قبل الميلاد والرابع الميلادي, ثم تلي ذلك الممالك المسيحية النوبية في المقرة(علوه) ودنقلا (سوبا) مابين القرنين السادس والرابع عشر الميلادي ونتيجة لتدفق القبائل العربية .. منذ القرن الثالث عشر الميلادي ظهرت مماليك إسلامية في السودان كسلطنة الفونج والعبدلاب والفور والمسبعات وتقلي الإسلامية والممالك والسلطنات التي قامت في السودان اعتمدت اعتمادا كبيراً علي قوتها العسكرية في نشاطها وتكوينها وبقائها واستقرارها فالقوة العسكرية كانت دائماً وأبدا هي عماد هذه الممالك .

مملكة كوش

كانت القوه العسكرية هي عماد المملكه وكان الجيش يعمل علي النظام الطوعي غير النظامي حيث يتكون من أفراد متطوعين يتجمعون من القبائل المختلفة عندما تدعو الحاجة لذلك , فالمماليك القديمة لم تكن تعرف نظام الجيوش النظامية المستديمة أو المقاتلين المحترفين كما هو معروف حالياً في الدول الحديثة .

كان التنظيم القتالي للجيش يتكون من الفرق وكانت كل فرقه تمثل أحدي القبائل التي تكون الجيش في المملكة كانت هذه الفرق مقسمه إلى عدة أقسام حسب نوع السلاح المستعمل فهنالك فرق رماة الأقواس وهذه الفرق مقسمه إلي وحدات صغري(كتائب) ويقود كل وحده ضابط كما كانت هنالك فرق المشاة التي تنقسم إلي عدة أقسام من حيث نوع الوقاية فقد كانو ينقسمون إلي مشاة خفيفة ومشاة ثقيلة أما من حيث التسليح فقد كانو ينقسمون إلي جماعة الرماح وجماعة الفؤوس وجماعة السيوف وجماعة المقاليع جماعة الخناجر وجماعة الهراوات "العصي الغليظة".

أما فرق الفرسان فقد كانو ينقسمون إلي قسمين قسم يمتطون الخيول ويعملون كفرسان عاديين أما القسم الأخر فقد كانوا عن قوات راكبه فوق مركبات حربيه أو عربات مجرورة, بالاضافه إلي المجموعات الثلاث رمات الأقواس, المشاة والفرسان فقد كانت الجيوش الكوشية تملك بعض الصناع والفنيين والحدادين والنجارين والبنائين الذين كانوا يقومون بالمهام الهندسية من بناء القلاع والحصون وبناء السفن والقوارب وعمل أدوات الحصار من أبراج وسلالم خشبية.

جيوش المملكة النوبية:

اعتمدت المماليك النوبية علي القوة العسكرية في توطيد أركان حكمها وضمان استمرارها ويتكون الجيش من المتطوعين ويبدو ان الممالك قد ورثت التنظيمات العسكرية التي كانت سائدة من قبل في مملكة كوش حيث كانت طريقة تكوين جيوشهم مشابهة لتنظيم الجيوش في المملكة الكوشية حيث كان التنظيم يتكون من أفراد متطوعين يجمعون من القبائل الخاضعة تحت نفوذ هذه الممالك لخطر خارجي وعندما تقوم المملكة بشن حروبات خارجية, ومن خلال ما ورد في كتابات المؤرخين العرب إن ملوك المقرة عندما يريدون جمع القوات يرسلون إلى الحكام لجمع أفرادهم والتوجه والانضمام إلى جيش المملكة وبعد انتهاء المهمة كان الأفراد يعودون إلى أقاليمهم وأعمالهم  العادية ، كذلك كان الحال في مملكة علوه الذين كانوا يجمعون جيوشهم من الأقاليم التي كانوا يسيطرون عليها .

أما تنظيمهم القتالي فقد استمرت الجيوش النوبية تعتمد على العناصر الثلاثة التي كانت تتكون منها جيوش مملكة كوش من قبل رماة الأقواس ، المشاة ، الفرسان بالرغم من أن الوثائق لم توضح طريقة تنظيم الجيش إلا أنه يبدو أنه كان يقسم إلي وحدات كبري وصغري من فرق وكتائب ، أما من حيث التسليح فقد استخدمت الجيوش النوبية السهام والأقواس والسيوف والخناجر والمطارق والرماح وهى ما استخدمته جيوش مملكة كوش ويأتي الإختلاف فقط في المادة التي صنعت منها الأسلحة .

سلطنة الفونج

تمكنت القبائل العربية المتحالفة تحت ملك العبدلاب من إسقاط مملكة علوة وتأسيس أول مملكة إسلامية في السودان في عام 1504م كما تمكن الفونج من هزيمتهم في معركة أريجي وإنشاء سلطنة الفونج الإسلامية وبالتالي أصبح العبدلاب حلفاء الفونج .

جيش السلطنة

سلطنة الفونج كالممالك السابقة لها إعتمدت على القوة العسكرية في قيامها وتوسعها وبقائها فالقوة العسكرية ظلت عماد السلطنة منذ البداية وحتى النهاية .

استفادت سلطنة الفونج في تنظيم وتسليح جيوشها من الموروثات التي اكتسبتها من مصدرين أساسيين فالمصدر الأول موروثات الجيوش الإسلامية التي حملتها القبائل العربية التي جاءت إلى السودان أما المصدر الثاني فمن موروثات الممالك السودانية السابقة مملكة كوش والممالك النوبية ولم تكن الاستفادة من النواحي التنظيمية والتسليحية فقط استفادت من النواحي القتالية أيضاً حيث تم تكوين وتنظيم الجيش في السلطنة على مرحلتين الأولي إعتمدت فيها السلطنة على الجيش التطوعي القبلي الذي يستدعي عند الحاجة ، أما المرحلة الثانية وهي المرحلة التي اعتلي فيها السلطان بادي أبو شلوخ السلطنة حيث شهدت هذه المرحلة إنشاء ( ولأول مرة في تاريخ السودان ) جيش ثابت أو جبش نظامي محترف ويعتبر السلطان بادي أول من إستخدم جيشاً نظامياً حيث قام بتجنيد الرقيق كجنود نظاميين وقام بإسكانهم في قري خاصة بهم حول سنار وتمثل كل قرية وحدة قتالية واحدة وفي كل وحدة قتالية قائد عسكري يشرف على هذه القوات .

أما من حيث السلاح فقد إعتمدت السلطنة على الأسلحة البيضاء من سيوف ورماح وخناجر كأسلحة قتال أساسية لجيوشها منذ البداية وحتي نهاية السطنة وقد كان السيف هو السلاح الرئيسي لخوض المعارك ويتم إستيراد السيوف من مصر والجزيرة العربية والهند وتركيا بل بعض هذه السيوف كانت أوربية الصنع ، أما الرماح والخناجر فقد كانت في معظمها صناعة محلية أما أسلحة الوقاية والتي تتكون من الدروع والتروس فهي مصنوعة من جلود الحيوانات من افيال وأفراس البحر كما أن بعض الدروع كانت مصنوعة من الحديد .

الأسلحة النارية

لم تستخدم الممالك الإسلامية في إفريقيا الأسلحة النارية كأسلحة قتال أساسية إلافي أو اخر القرن التاسع عشر على الرغم من وجود هذه الأسلحة في هذه الممالك منذ القرن الخامس عشر ولكن ذلك العصر يعتبر عصر فروسية وبطولة يتطلب مقابلة الاعداء وجهاً لوجه ويداً بيد فكانت الأسلحة البيضاء هي المناسبة لتحقيق ذلك الغرض .

سلطنة الفونج كانت تواجه صعوبة في جلب الأسلحة النارية من أوربا حيث كانت عالية التكلفة وكذلك مشاكل جلب الذخيرة والبارود بالإضافة إلي مشاكل صيانة تلك الأسلحة ولكن رغم ذلك فكانت هنالك أسلحة نارية في السلطنة ولكنها بكميات قليلة .

الحكم التركي

في أخريات الربع الأول من القرن التاسع عشر أى في العام 1821م عرف السودان القوة العسكرية النظامية الحديثة ، في ذلك العام إجتاحت خيل محمد علي والي مصر مملكة سنار وبقية شمال السودان بسهولة عكست بوضوح التباين العميق بين القوة التقليدية والقوة حديثة التنظيم والتسليح . رأي محمد علي في السودان مستودعاً مادياً يحقق طموحاته الكبيرة وينهل منه لتمويل فتوحاته وملء صفوف جيشه بالرجال . وهكذا شرع فوراً بوضع أسس إدارة البلاد وقسمها إلي عدة مديريات تتبع له شخصياً , وكان يؤمل أن تعتمد البلاد علي نفسها وتدفع جزية إلي مصر في شكل مواش وأخشاب وحبوب وذهب  وعاج ورقيق  .

ولكن ظلت القوة العسكرية هي أساس الحكم المصري فقد صمم الجيش المصري الجديد حسب أحدث النماذج الأوروبية . أقيمت معسكرات التدريب في أسوان في عام 1821م لتدريب الجنود السود .

كان يتم تطعيمهم هنا ويعلمون الإسلام ويدربون علي أيدي ضباط عسكريين فرنسيين من الذين خدموا مع نابليون ، وقد أحضروا معهم الإنضباط العسكري الفرنسي ونظام الترقي حسب المقدرة والكفاءة وتكتيكات الصحراء . شاركت أغلب هذه الوحدات في الحملات في الشام والحجاز , بينما شكلت وحدات أخري للحماية الدائمة في السودان . بالإضافة إلي هذه الوحدات النظامية تم تجنيد مجموعات محلية غير نظامية  تسلح وتدفع مرتباتها بواسطة ضباطها وتستخدم بكثافة لجمع الضرائب والإغارة علي القبائل المتمردة .

بغض النظر عن سوء الحكم والإدارة الذي تميزت به فترة الحكم التركي والذي قاد في النهاية إلي الثورة المهدية التي قضت عليه , فقد تميزت بعض وحدات ذلك الجيش وأبلت بلاءً حسناً في حملات الشام والحجاز , كما أن الخديوي إسماعيل كان قد أرسل حملة لمعاونة الفرنسيين في المكسيك حيث نال الجنود السودانيون إعجاب وإطراء إمبراطور فرنسا يذكر المؤرخون أيضاً أداء الجنود السودانيين في معركة التل الكبير سنة 1882م ضد الغزو البريطاني هو الأكثر تميزاً بين كل أفراد جيش عرابي برغم الهزيمة النكراء . ويذكر أحد المؤرخين أن الهجوم البريطاني وقع ليلاً وقد هب الجند من نومهم مذعورين وولوا الأدبار لا يلوون علي شئ إلا السودانيين منهم فقد ثبتوا في مواقعهم حتى فنوا عن أخرهم .

برغم هذه الإشراقات الوضاءة إلا أن سماء إحترافية ذلك الجيش كانت ملبدة بغيوم سوء الحكم وظلم الحاكمين , وقد إنعكس كل ذلك علي الجيش , أداة الحكم الرئيسية الذي انقلب أفراده إلي  جباة  ضرائب غلاط وأحياناً نخاسين يتعاملون في تجارة الرقيق ، فتدنت الإحترافية وتراجعت حتى    انها رت تحت ضربات الثورة المهدية المتلاحقة التي قضت عليها قضاءها مبرماً .

جيش الثورة المهدية

بإنتصار الثورة المهدية دخلت البلاد في حقبة وطنية يجوز أن نسميها الإستقلال الأول . ولقد إتسمت هذه الفترة بالراديكالية الثورية وكان جيش المهدي يعكس بالضرورة والتكوين السياسي للدولة . إستفاد جيش المهدية من إستيعاب الأفراد الذين خدموا مع جيوش الجلابة الخاصة أمثال الذين خدموا مع الزبير باشا ود رحمة وإبنه سليمان الزبير وكل الجلابة الذين طردهم غردون باشا من الجنوب قد شكلوا النواة الصلبة لجيش المهدية وقد لمع منهم البعض كقادة متميزين في حروب المهدية مثل حمدان أبو عنجة والزاكي طمل وآخرين .

بعد وصول المهدي إلي جبل قدير إستخدم المهدي الجبال المحيطة به كخط دفاع أول ومركز لتلقي المعلومات عن العدو كما عني بتدريب جيشه الصغير بوحدات متماسكة وبعد فتح الأبيض واستيلائه علي السلاح والعتاد أعاد الإمام محمد أحمد المهدي تنظيم جيشه علي النحو التالي :-

- فرسان الاستطلاع .

- قوة الاقتحام الرئيسية .

- قوة النيران .

- وبعدها إضطر الإمام المهدي إلي تكوين رئاسة ميدانية نسبة لتوسع الجيش وجاء تكوينها كالآتي:-

الخلفاء الثلاثة.

قاضي الإسلام.

أمين بيت المال .

وبعد وفاة الإمام المهدي قام الخليفة عبد الله التعايشي بتنظيم الجيش في مناطق عسكرية ومن ثم توزيع القوات إلي عدة تنظيمات وكانت أم درمان هي مقر القيادة العسكرية . ولكن جيش المهدية ظل تقليدي التسليح ولم يستطع الحصول علي أي معدات وأسلحة وذخائر خلافاً عن تلك التي غنمها من الحاميات المصرية التي إجتاحها , كما أن مصر وبريطانيا أحكمتا حصارهما علي البلاد فلم يكن هناك سبيل للإتصال بالعالم الخارجي . وفي النهاية أسدل الستار علي أول دولة وطنية مستقلة في إفريقيا بهزيمة جيوشها في لقاء غير متكافئ في الثاني من سبتمبر 1898م علي سهل كرري بأمد رمان بين جيشين أحدهما تقليدي الإعداد والتسليح والآخر حديث الإعداد يتسلح بأحدث ما أنتجته الثورة الصناعية من رشاشات وبنادق حديثة ومدفعية سريعة الطلقات.

الحكم الثنائي :

أسدل الستار علي الدولة المهدية ودخلت البلاد في فترة حكم أجنبي للمرة الثانية خلال قرن واحد ولكن شكل الحكم إختلف هذه المرة وبدلاً عن دولة تمارس الحكم أحادياً كما في السابق ، تقاسمت بريطانيا ومصر حكم البلاد فيما إصطلح علي تسميته بالحكم الثنائي . كانت هذه الصيغة للحكم غير مسبوقة في العلاقات الدولية وقد قادت إلي الكثير من الغموض في الموقف السياسي الأمر الذي إنعكس سلباً